وقد ذمَّ الله تعالى قومًا، وكفَّرهم، وأحبط عملهم؛ لكراهتهم ما أنزل الله، وتبرُّمهم به، فقال: (وَالَّذينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ) [1] .
ومن كان شأنه مع (النص) كذلك؛ التزامًا، ووقوفًا عنده، وعدم تقديم بين يديه؛ فهو ممَّن ينتفع بالوحي أعظم انتفاع، فيهتدي به، ويَهدي إليه.
ولذلك ذكر الله -في كتابه- الكفار الذين حقت عليهم كلمة العذاب من الجن والإنس، وأن لهم قلوبًا لا يفقهون بها، وأعينًا لا يبصرون بها، وآذانًا لا يسمعون بها، وقال في حقهم: (أُولئكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلونَ) [2] .
إذ هم لا ينتفعون بالنصوص -وإن سمعوها-، كما لا ينتفعون بالآيات الكونية المشهودة، ولا يعقلون هذه ولا تلك.
وعقَّب على ذلك بذكر الملحدين في أسمائه - سواء بتسمية الأصنام بأسمائه تعالى، أو بتحريف أسمائه عن معانيها الحقيقية، أو بتسميته بما لم يسمِّ به نفسه، أو بغير ذلك من ألوان الإلحاد [3] -، وتوعَّدَهم بقوله: (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [4] .
وبين هؤلاء وأولئك وجه شبه؛ من حيث عدم انتفاعهم بالنصوص؛ لأن الهوى، والتحريف، والتأويل، والإلحاد، سبق إلى نفوسهم، ووقر في قلوبهم، فلم يصادف النص مكانًا فارغًا في القلب، ولم يستقر فيه.
وعقَّب على هذين الصنفين المذمومين بذكر الصنف المحمود -وإن كان قليلًا-، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن كان على مثل ما
(1) سورة القتال: 8 - 9.
(2) الأعراف: 179.
(3) انظر:"تفسير الطبري" (9/ 133 - 134) ،"تفسير البغوي" (2/ 218) .
(4) الأعراف: 180.
وسيأتي حديث عائشة وغيره في ذلك.