الصفحة 219 من 583

كانوا عليه، فقال: (وَممَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [1] .

فهم المهتدون بالوحي الإلهي، الهادون إليه، الحاكمون به بين الناس [2] ؛ كما سبق في حديث علي رضي الله عنه للجاثليق.

وفي موضع آخر ذكر الكتاب المنزل، وأن منه آيات محكمات هن أمُّ الكتاب، وأخر متشابهات، فأشار بهذا إلى أن المحكم هو (الأم) و (الأصل) الذي يجب رد المتشابه به إليه؛ لوضوح دلالته، وظهورها، وعدم الاختلاف في معناه؛ بخلاف المتشابه.

وبيَّن أن هذا مسلك الراسخين في العلم، وأن مسلك الذين في قلوبهم زيغٌ وهوى أنهم يتبعون المتشابه ليحملوه على أهوائهم؛ يبتغون بذلك تأويله، وصرفه عن معناه الحقيقي المقصود إلى معان من عند أنفسهم، فيفتتنون هم بذلك، ويخادعون أنفسهم، فيتوهَّمونه حقًّا، ويفتنون غيرهم من الأتباع الذين لا يميِّزون بين الحق والباطل؛ لغفلتهم، وتعصُّبهم لرؤسائهم، وحسن ظنهم بمشايخهم.

قال تعالى: (هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتَاب وَأُخَرُ مُتَشَابهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في قُلُوبهمْ زَيْغٌ فَيَتَّبعونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتغَاءَ الفتْنَة وَابْتغَاءَ تَاويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاويلَهُ إلا اللهُ والراسخونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا به كُلٌّ منْ عِنْد رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولو الأَلْبابِ) [3] .

عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ... قالت: قال:"فإذا رأيت الَّذين يتَّبعُون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمَّى الله؛ فاحذروهم" [4] .

(1) الأعراف: 181.

(2) انظر:"تفسير الطبري" (9/ 135) .

(3) آل عمران: 7.

(4) رواه البخاري في: 65 - كتاب التفسير، 3 - سورة آل عمران، 1 - (منْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) ، (5/ 166) .

-ومسلم في: 47 - كتاب العلم، 1 - باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، (رقم 1) ، (4/ 2053) .

-وأبو داود في: 34 - كتاب السنة، 2 - باب النهي عن الجدال واتباع المتشابه من القرآن، (رقم 4598) ، (5/ 6) .

-والترمذي في: 48 - كتاب تفسير القرآن، 4 - باب ومن سورة آل عمران، (رقم 2993و2994) ، (5/ 222) ، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".

-والدارمي في: المقدمة، 19 - باب مَن هاب الفتيا وكره التنطُّع والبدع، (رقم 147) ، (1/ 51) .

-وأحمد في"المسند": (6/ 124و132) .

-والآجُرِّي في"الشريعة": باب ذكر السنن والآثار، (ص 26) ، بلفظ:"إذا رأيتُم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله ...".

-وأبو داود الطيالسي في: مسند عائشة، (ص 203) ، وفيه:"قالها ثلاثًا".

-والطبري في"التفسير": سورة آل عمران، (3/ 178 - 180) .

-واللالكائي في"شرح أصول الاعتقاد": سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن مناظرة أهل البدع، (رقم 187) ، (1/ 118) .

-وأبو نعيم في"الحلية": ترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر، ورقمها (172) ، (2/ 185) ، وفيه:"إذا رأيتم الذين يسألون عمَّا تشابه فيه ...".

-والبغوي في"التفسير": سورة آل عمران، (1/ 279) .

-والبيهقي في"دلائل النبوة": باب ما جاء في إخباره باتباع مَن كان في قلبه زيغٌ متشابهات الكتاب، (6/ 545 و 546) .

-وذكره ابن كثير في:"تفسيره"، ونسبه لابن أبي حاتم وابن المنذر في"تفسيريهما" (1/ 345) .

-ونسبه السيوطي في"الدر المنثور"أيضًا لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن حبان (2/ 148) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت