ولما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الخوارج؛ قال في شأنهم ... - فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه-:"يَحْقر أحدُكُم صلاتَهُ مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرؤون القرآنَ، لا يجاوزُ تَرَاقِيَهم، يمرُقون من الدِّين كما يمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّة [1] ؛ يَنْظُرُ إلى نَصْلِهِ [2] فلا يوجد فيه شيء، ثم يَنْظُرُ إلى رِصافه [3] فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّه -وهو قدحه [4] - فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه [5] فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرثَ والدَّم" [6] و [7] .
شبه صلى الله عليه وسلم خروج الخوارج من الدين بعد دخولهم فيه، وأنه لم يبق لهم منه شيءٌ بالسهم الذي يصيب الطير، فينفذ فيه بسرعة، ثم يخرج منه قبل أن يعلق فيه شيء يُذكَر من الفرث والدَّم [8] .
ووصفهم صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن، ومع ذلك فهو لا يجاوز تراقيهم، وقد فهم العلماء من ذلك أحد معنيين:
الأول: أن قلوبهم لا تفقهه ولا تدرك معانيه [9] ؛ لأنها أُشْرِبَت (الهوى) ، فصارت تحمل القرآن على معانٍ ليست صحيحة، وتستدل به لآرائها المنحرفة، وتأخذ بمتشابهه، وتترك محكمه.
فتتمسك -مثلًا- بقوله تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطيئَتُهُ فَأُولَئكَ أَصْحابُ النَّار هُمْ فيها خَالدونَ) [10] .
وقوله: (وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالدينَ فيِها أَبَدًا) [11] .
وقوله: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى. لا يَصْلاهَا إلا الأَشْقَى. الذي كذَّبَ وَتَوَلَّى) [12] .
(1) الرَّمِيَّة: بكسر الميم وتشديد الياء: فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الصيد المرمي، شبه مروقَهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق بالسهم من جسد الصيد شيء، لا فرث ولا دم!
انظر:"فتح الباري" (6/ 618) .
(2) النصل: هو حديدة السهم.
"الفتح" (6/ 618) .
(3) الرصاف: بكسر الراء، ثم صاد مهملة، ثم فاء موحدة - أي: عصبه الذي يكون فوق مدخل النصل، والرصاف جمع، مفرده: رصفة؛ بحركات.
(4) النَّضِيّ: بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وبعدها ياء مشددة، فسَّره في الحديث بالقِدْح - بكسر القاف وسكون الدال-؛ أي: عود السهم قبل أن يراش وينصل، وقيل: هو ما بين الريش والنصل.
قال ابن فارس:"سمي بذلك لأنه بُرِيَ حتى عاد نِضْوًا؛ أي: هزيلًا، وعليه؛ فالنضي: فعيل بمعنى مفعول".
انظر:"الفتح" (6/ 618 - 619) .
(5) القذذ: بضم القاف، بعدها ذال معجمة مفتوحة، جمع: قذة، وهي ريش السهم."الفتح" (6/ 619) .
(6) أي: أن السهم لسرعته خرج من الصيد، وسبق الفرث الذي في كرشه، والدم الذي في عروقه، فلم يظهر لهما فيه أثر.
انظر:"عمدة القاري"للعيني (16/ 143) .
(7) الحديث رواه البخاري في: 61 - كتاب المناقب، 35 - باب علامات النبوة في الإسلام، (4/ 179) .
وفي: 60 - كتاب الأنبياء، 6 - باب قوله تعالى: (وَإلى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا) ، (4/ 108) .
وفي: 64 - كتاب المغازي، 61 - بعث عليٌ بن أبي طالب وخالد ابن الوليد رضي الله عنهما إلى اليمن، (5/ 110) .
وفي: 66 - كتاب فضائل القرآن، 36 - باب من راءى بقراءة القرآن، (6/ 115) .
وفي: 88 - كتاب استتابة المرتدين، 7 - باب من ترك قتال الخوراج للتألف، (8/ 52) .
وفي: 97 - كتاب التوحيد، 23 - باب قول الله تعالى: (تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إليه ... ) ، (8/ 177) .
-ومسلم في 12 - كتاب الزكاة، 47 - باب ذكر الخوارج وصفاتهم، (رقم 143 - 149) ، (2/ 740 - 746) .
-وأبو داود في: 34 - كتاب السنة، 31 - باب في قتال الخوارج، (رقم 4764) ، (5/ 121) .
-والنسائي في: 22 - كتاب الزكاة، 79 - المؤلفة قلوبهم، (5/ 87) .
-وفي: 37 - كتاب تحريم الدم، 26 - من شهر سيفه ثم وضعه في الناس، (7/ 118) .
-وابن ماجه: المقدمة، 12 - باب ذكر الخوارج، (رقم 169) ، (1/ 60) .
-ومالك في"الموطأ": 15 - كتاب القرآن، 4 - باب ما جاء في القرآن، (رقم 10) ، (1/ 204) .
-وأحمد في"المسند" (3/ 5و15و33و52و60و64و68و73) .
-وأبو داود الطيالسي في"مسنده": الأفراد عن أبي سعيد، (ص 296) .
(8) انظر:"عمدة القاري" (16/ 143) ،"فتح الباري" (6/ 618 - 619) .
(9) "فتح الباري" (6/ 618) .
(10) البقرة:81.
(11) الجن: 23.
(12) الليل: 14 - 16.