غالب أحوالهم- إلى سلسلة الإسناد، ولا معرفة الرجال والعلل وغيرها، ولم يختلط عليهم الصحيح بغيره، ومن ثمَّ لم يقع عندهم التردُّد في ثبوت النص الذي وقع عند كثير ممن جاء بعدهم -خاصة من أصحاب النفوس المريضة، أو من الجهلة الذين لم يدرسوا السُّنةَ ويفقهوها رواية ودراية-، فكانوا إذا سمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ابْتَدَرَتْهُ أبصارُهم؛ كما يقول ابن عباس رضي الله عنه [1] .
وحتى حين كَثُرَ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودَخَلَ فيه الوضع؛ كان عند الباقين من الصحابة من الصحيح الثابت ما يُغنيهم، وكان بعضهم يأخذ عن بعض، حيث تتوفر الثقة، ولذلك قال ابن عباس في الأثر السابق:"فلما ركب الناس الصعْب والذلول؛ لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" [2] .
وكذلك كانوا يأخذون عن ثقات التابعين؛ كما قال معاوية رضي الله عنه:"هذا مالك بن يخامر -وبه النسمة- يزعم أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام" [3] ، يعني: الطائفة المنصورة.
2 -التأثُّر الوجداني العميق بالوحي والإيمان:
إن هذا العلم الصحيح الموثق بالدليل الثابت، كان (علمًا نافعًا) ، وليس حقائق ذهنيَّة مجرَّدة يتعامل معها العقل فحسب؛ دون أن يكون لها علاقة بالقلب والجوارح.
وكذلك كان الأمر لدى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك يكون لدى (الفرقة الناجية) التي هي على ما كانوا عليه.
فقد أورثهم العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله: محبَّتَه، والتألُّه إليه،
(1) مقدمة"صحيح مسلم" (1/ 13) .
(2) مقدمة"صحيح مسلم" (1/ 13) .
(3) هذه رواية أبي عوانة (5/ 106) ، وسيأتي الحديث، ورواياته في الفصل الثاني، من هذا الكتاب.