عليه وسلم:"والذي نفسي بيده؛ إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر؛ لصافحتكم الملائكة على فُرُشِكم، وفي طرقكم، ولكن -يا حنظلة! - ساعة وساعة"؛ ثلاث مرات [1] .
فأشار صلى الله عليه وسلم إلى طلب الترقِّي، والحرص على يقظة القلب، وحفظه من الغفلة المهلكة، كما أشار إلى أن الحال التي كان ينشدها حنظلة رضي الله عنه أقرب إلى شأن الملائكة منها إلى شأن البشر، وليس مطلوبًا من المسلم تحقيقُها في نفسه -بصورة دائمة مستمرَّة-.
وأورثهم علمُهم بالقدر، وأنه أمرٌ قد فُرغ منه: التوكُّل على الله، وعدم التوكُّل على الأسباب، وعدم الفرح بما أُوتوا، ولا الأسي على ما مُنِعوا، والإجمال في الطَّلب، إذ لن يفوت المرءَ ما قدر له، ولن يأتيه ما لم يقدر، كما غرس في قلوبهم الشجاعة والإقدام، حتى كان عليٌّ رضي الله عنه يخوض الحرب ويقول:
أيُّ يَوْمَيَّ مِنَ الموتِ أَفَرّ
يَومَ لا يُقَدَّرُ أو يَوْمَ قُدِرْ
يَومَ لا يُقَدَّرُ لا أَرْهَبُهُ
ومِنَ المَقْدُورِ لا يُنْجي الحذَرْ [2]
وأورثهم علمُهم بالموت وإيمانُهم به: العزوفَ عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، والدوام على العمل الصالح، إذ لا يدري المرء متى يموت؟ والموت منه قريب.
وهذه المعاني الوجدانية هي المقصود الأعظم من تحصيل العلم، وإذا فُقِدَت؛ فلا ينفع مع فقدها علمٌ؛ بل هو ضررٌ في العاجل والآجل.
(1) الحديث رواه مسلم في: 49 - كتاب التوبة، 3 - باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة، وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا، (رقم 12 - 13) ، (4/ 2106 - 2107) .
-والترمذي في: 38 - كتاب صفة القيامة، 20 - باب، (رقم 2452) ، (4/ 634) ؛ مقتصرًا منه على قول النبي صلى الله عليه وسلم دون قوله:"ساعة وساعة"، وقال:"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".
-وابن ماجه في: 37 - كتاب الزهد، 28 - باب المداومة على العمل، (رقم 4239) ، (2/ 1416) بتمامه.
-وأحمد في"المسند" (4/ 178و346) .
وله شواهد:
أ- منها حديث أنس بنحوه عند الإمام أحمد (3/ 174) .
ب- ومنها حديث أبي هريرة عند الترمذي: 39 - كتاب صفة الجنة، 2 - باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، (رقم 2526) ، (4/ 672) ، وفيه:"... ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد كي يذنبوا فيغفر لهم"وفي آخره زيادة.
-قال أبو عيسى:"هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد رُويَ هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مدله، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم".
وذلك أنه (أي: الترمذي) رواه من طريق زياد الطائي عن أبي هريرة.
-وزياد هذا قال فيه الذهبي:"لا يُعْرف ... لين الترمذي حديثه""الميزان" (2/ 96) .
-أما رواية أبي المدله؛ فهي في"المسند" (2/ 304) ، وفيه قوله:"لو لم تذنبوا ..."، والزيادة بعدها.
(2) البيتان وردا في"العقد الفريد"لابن عبد ربه (1/ 96، 6/ 124 و137) .
والبيت الأول -فحسب- ورد في:"أسماء المغتالين في الجاهلية والإسلام"لمحمد بن حبيب البغدادي، ضمن نوادر المخطوطات، جمع عبد السلام هارون، (6/ 161) ، و"اللسان"، (مادة: قدر) (5/ 75) ، وغيرهما.