ولذلك يقول أبو الدَّرداء رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشَخَصَ ببصره إلى السماء، ثم قال:"هذا أوانُ يُخْتَلَسُ العلمُ من الناس حتى لا يقدروا منهُ على شيء"، فقال زياد بن لبيد الأنصاريُّ: كيف يُخْتَلَسُ منا وقد قرانا القرآن؟ فوالله لنَقْرَأَنَّه وَلَنُقْرِئَنَّهُ نساءنا وأبناءنا، فقال:"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا زياد! إن كنتُ لأعدُّك من فقهاء أهل المدينة! هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تُغني عنهم؟"، قال جُبيرٌ [1] : فلقيتُ عُبادة بن الصامت؛ قلتُ: ألا تسمعُ إلى ما يقول أخوك أبو الدَّرداء؟ فأخبرتُه بالذي قال أبو الدَّرداء؛ قال: صدق أبو الدَّرداء، إن شئتَ لأحدِّثَنَّكَ بأوَّل علم يُرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا [2] .
ولقد كان للصحابة رضي الله عنهم من هذه المعاني الوجدانية أعظمَ نصيب؛ لأن إيمانهم كان أعمق وأكمل من إيمان غيرهم، ولقد تَلَقَّوْهُ غضًّا طريًّا من النبي صلى الله عليه وسلم، لم يخلق بغبرة الأهواء والغفلات.
على أن ارتباط هذه المعاني العظيمة بالعلم الصحيح المبني على النصِّ والوحي عصمهم بإذن الله من خطرين مُهلِكَيْن وقعت فيهما الفرق الهالكة بعد، وحمى الله أصحاب نبيِّه ومَن سار على منهجهم من الفرقة الناجية منهما:
الأول: أن يتحوَّل الأمرُ إلى رهبانيَّة كرهبانية النصارى المُبتدعَة، وعزلة عن الحياة، والجهاد بالدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعالجة شؤون الحياة الدنيا التي لا قوام للإنسان إلا بها.
فكان الصحابة فرسانًا بالنهار، رُهبانًا بالليل، لا يمنعهم علمهم
(1) هو جبير بن نفير الحضرمي، تابعي جليل، وأحد رواة الحديث، وستأتي ترجمته.
(2) رواه الترمذي في: 42 - كتاب العلم، 5 - باب ما جاء في ذهاب العلم، (رقم 2653) ، (5/ 31) بهذا اللفظ، وقال:"هذا حديث حسنٌ غريبٌ، ومعاوية بن أبي صالح: ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدًا تكلَّم فيه غير يحيى بن سعيد القطان، وقد رُوي عن معاوية بن صالح نحوُ هذا، وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم."
-والدارمي في: المقدمة، 29 - باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله، (رقم 294) ، (1/ 75) .
-والطحاوي في"مشكل الآثار"، في: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفع العلم عن الناس، وقبضة منهم، (1/ 124) .
-وأشار إليه أبو نُعيم في"الحلية"في: ترجمة جبير بن نفير، رقمها (305) ، (5/ 138) .
-والحاكم في"مستدركه": كتاب العلم، (1/ 99) ، وقال:"هذا إسناد صحيح من حديث البصريين"، ووافقه الذهبي.
-كلهم من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي الدرداء- إلا أنه سقط من إسناد الطحاوي معاوية بن صالح.
-وعبد الله بن صالح هو: كاتب الليث، صدوق كثير الغلط.
-أما معاوية بن صالح؛ فهو: ابن حدير الحضرمي، وثَّقه أحمد، وابن معين -في رواية-، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو زرعة، والعجلي، والنسائي، وغيرهم، وضعَّفه القطان -كما سبق في كلام الترمذي-، وقال الذهبي:"صدوق إمام".
انظر:"التهذيب" (10/ 209) ،"الكاشف" (3/ 139) .
-وعبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي: وثقه أبو زرعة، والنسائي، وابن حبان، وقال أبو حاتم:"صالح الحديث"، وقال ابن سعد:"كان ثقة، وبعض الناس يستنكر حديثه"، وقال الذهبي وابن حجر:"ثقة".
"التهذيب" (6/ 154) ،"الكاشف" (2/ 142) ،"التقريب" (1/ 475) .
-أما أبوه فمخضرم ثقة.
انظر:"التهذيب" (2/ 64) ،"التقريب" (1/ 126) .
-فالحديث بهذا الإسناد فيه ضعف؛ لحال عبد الله بن صالح.
ولكن له شواهد كثيرة؛ منها:
أولًا: حديث زياد بن لبيد:
-رواه ابن ماجه في: 16 - كتاب الفتن، 14 - باب ذهاب القرآن والعلم، برقم (4048) ، (2/ 1344) .
-والإمام أحمد (4/ 218و219) .
-والطحاوي في بيان مشكل ما روي عن رسول الله في رفع العلم عن الناس، (1/ 124) .
-والحاكم في: كتاب العلم، (1/ 100) ، وقال:"قد ثبت الحديث بلا ريب فيه، برواية زياد بن لبيد، بمثل هذا الإسناد الواضح".
-والبخاري في"التاريخ الكبير": في ترجمة زيادة، ورقمها (1163) ، (3/ 344) .
-كلهم من طريق وكيع، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد.
-ووكيع: هو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي: ثقة، حافظ، عابد.
"التقريب" (2/ 331) ، وانظر:"التهذيب" (11/ 123) .
-والأعمش: هو سليمان بن مهران الأسدي: ثقة، حافظ، مدلس، وقد احتمل الأئمة تدليسه.
"التقريب" (1/ 331) ، وانظر:"التهذيب" (4/ 222) ،"تعريف أهل التقديس" (ص 67) .
لكن قال البخاري:"قال وكيع: عن الأعمش، عن سالم، عن زياد، وهو مرسل لا يصح".
"التاريخ الصغير" (1/ 41) ، وانظر:"الكبير" (3/ 344) .
-وهذا الحديث المرسل -على رأي البخاري- يرتقي بالذي قبله إلى درجة الحسن.
-وقد رواه الحاكم أيضًا من طريق آخر عن سالم عن زياد في: كتاب معرفة الصحابة، ذكر زياد بن لبيد الأنصاري، (3/ 590) ، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
-ورواه الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي في كتاب العلم، من طريق الأعمش، برقم (52) ، (ص 121) .
ثانيًا: وله شاهد من حديث عوف بن مالك.
-وفيه:"فلقي جبير بن نفير شداد بن أوس بالمصلى، فحدثه هذا الحديث عن عوف بن مالك، فقال: صدق عوف. ثم قال: وهل تدري ما رفع العلم؟ قال: قلت: لا أدري. قال: ذهاب أوعيته. قال: وهل تدري أي العلم أول أن يرفع؟ قال: قلت: لا أدري, قال: الخشوع، حتى لا تكاد ترى خاشعًا ...".
-رواه النسائي في"الكبرى"، في: 27 - كتاب العلم، 41 - قوله جل ثناؤه: (وَمَا أُوْتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَليلًا) (ل: 77/أ) .
وأحمد في"المسند" (6/ 26) ، ولفظ الزيادة منه.
والبزار؛ كما في"كشف الأستار": كتاب العلم، باب ذهاب العلم وأهله، (رقم 232) ، (1/ 123) ، وقال الهيثمي في"المجمع":"وفيه -يعني: لإسناد البزار- عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال عبد الملك بن شعيب: كان ثقة مأمونا، وضعَّفه الباقون".
"المجمع" (1/ 200) .
-ولم يذكر البزار لقاء جبير لشداد بن أوس.
-نسبه الهيثمي للطبراني في"الكبير"-كاملًا-:"المجمع"، كتاب العلم، باب ذهاب العلم، (1/ 200) .
-ورواه أو نعيم في"الحلية"في: ترجمة جبير بن نفير، ورقمها (305) ، (5/ 138) .
ثم في: ترجمة إبراهيم بن أبي عبلة، ورقمها (321) ، (5/ 247) .
-ورواه الطحاوي في"المشكل"، في: باب بيان مشكل ماروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفع العلم، (1/ 122 - 124) .
-وابن حبان في"صحيحه"؛ كما في"الموارد": 2 - كتاب العلم، 21 - باب رفع العلم، (رقم 115) ، (ص 59) .
-والحاكم في"مستدركه": كتاب العلم، (1/ 99) ، وقال:"هذا صحيح، وقد احتج الشيخان بجميع رواته، والشاهد لذلك فيه شداد بن أوس، فقد سمع جبير بن نفير الحديث منهما جميعًا ومن ثالث من الصحابة هو أبو الدرداء"، ووافقه الذهبي.
-ورواه الخطيب البغدادي في"اقتضاء العلم العمل": باب في التغليظ على من ترك العمل بالعلم، برقم (89) (ص189) .
ثالثًا: ومن حديث ابن عمر.
-رواه البزار، كما في"كشف الأستار": كتاب العلم، باب ذهاب العلم وأهله، رقم (235) ، (1/ 125) .
-وقال الهيثمي:"وفيه سعد بن سنان، وقد ضعَّفه البخاري ويحيى ابن معين وجماعة؛ إلا أن أبا مسهر قال: حدثنا صدقة بن خالد، قال: حدثني أبو مهدي سعيد بن سنان مؤذن أهل حمص، وكان ثقة مرضيًّا".
"المجمع" (1/ 200) .
رابعًا: ومن حديث وحشي بن حرب.
-رواه الطبراني في"الكبير": فيما أسند وحشي، (رقم 365) ، (22/ 137) .
-وقال الهيثمي في"المجمع":"وإسناده حسن" (1/ 201) .
خامسًا: ومن حديث صفوان بن عسال:
-رواه الطبراني في"الكبير": في ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن عن صفوان، (رقم 7398) ، (8/ 85) .
-وقال الهيثمي في"المجمع":"وفيه مسلمة بن علي الخشني، وهو ضعيف" (1/ 201) .
سادسًا: ومن حديث أبي أمامة.
-رواه أحمد في"المسند": (5/ 266) .
-ورواه الطبراني في"الكبير": في ترجمة معان بن رفاعة السلمي، عن علي بن يزيد، من مسند أبي أمامة، (رقم 7867) ، (8/ 256) .
-وقال الهيثمي:"وإسناد الطبراني أصح؛ لأن في إسناد أحمد علي ابن زيد، وهو ضعيف جدًّا، وهو عند الطبراني من طرق، في بعضها الحجاج بن أرطأة، وهو مدلس، صدوق، يكتب حديثه، وليس ممن يتعمد الكذب".
"المجمع" (1/ 200) .
-وعلي بن يزيد -وهو الألهاني- هو في إسناد الطبراني في هذا الموضع.
-ولكن رواه أيضًا: في ترجمة الوليد بن أبي مالك، عن أبي أمامة، برقم (7906) ، (8/ 276) ، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة.
وانظر كلام الهيثمي السابق.
-فالحديث بهذه الطرق حسن.