الصفحة 227 من 583

وإيمانهم الحق وخشوعهم لله من القيام بشؤونهم الدنيوية؛ من بيع، وشراء، وحرث، ونكاح، وقيام على الأهل والأولاد وغيرهم فيما يحتاجونه، ولا يمنعهم من الجهاد، والدعوة، والقيام بتكاليف الحكومة الدينية التي أورثهم الله إياها -بجهدهم وجهادهم-.

وهكذا يكون شأن الفرقة الناجية على مدار الزَّمان، لا تنجرُّ إلى مضاهاة النصرانية في رهبانيتها واعتزالها؛ بخلاف الصوفية الهالكين، ومَن شابههم من الحائدين عن منهج النبوَّة الذي سار عليه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

الثاني: أن يتحوَّل إلى إعجاب بالنفس، يملأ جوانح المتعبِّد، فيترتب عليه ازدراءٌ واحتقارٌ لأعمال الآخرين، واستهانة بمجهوداتهم في سبيل الدين، وحطٌّ من قدرهم، فيصبح المرء في الحقيقة متعبِّدًا في محراب (الذات) ، معظِّما للنفس، وهذا مصدر لكل رذيلة خُلقيَّة، وسبب لمحق كل عمل صالح.

والذين يُصابون بهذه البليَّة المردية يشعرون بأنهم -وحدهم- الأوصياء على الدين، ويغلقون عقولهم وأعينهم عن رؤية فضائل الآخرين، فلا يرون إلا العيوب والمساوئ؛ بل تصبح الفضائل عندهم عيوبًا ومساوئ، ويصبح الأمر كما قيل:

إذا محاسِني اللائي أَدِلُّ بها

كانت عيوبًا فقل لي كيف أعْتَذِرُ؟!

وهذا هو الداء الذي أُصيب به الخوارج -إحدى الفرق الهالكة- حتى أدَّى بهم إلى تكفير الناس كافة -حتى الصحابة الذين جاء الدين عن طريقهم إلى مَن بَعدهم- ومقاتلتهم [1] .

وما كان ذلك -في الأصل- لنصٍّ التبست عليهم دلالتُه، وإنما كان

(1) سبق التعريف بالخوارج، وعقائدهم، والإحالة إلى المصادر التي تحدَّثت عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت