الصفحة 229 من 583

فمادة صلاح هذه المضغة هي (الوحي) الذي ينزل عليها نزول المطر على الأرض العطشى، فتَرْوى منه بعد ظمئها، وتثمر الصالح من الاعتقاد والشعور والقول والعمل.

وقد شرح الرسول صلى الله عليه وسلم الترابط الشديد بين العلم النافع المُقتَبَس من الوحي، وما يترتَّب عليه من المعاني القلبيَّة الإيمانية، وما ينشأ عنهما من الأعمال الصالحة المقصورة على صاحبها، أو المتعديَّة إلى الآخرين، وبيَّن ذلك بمثل عظيم.

فعن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير؛ أصاب أرضًا، فكان منها نقيَّةٌ، قبلت الماء، فأنبَتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشَربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى، إنما هي قيعان، لا تُمْسك ماء، ولا تُنْبتُ كلأ، فذلك مثل مَن فقه في دين الله، ونفَعهُ ما بعثَني الله به، فعلم وعلم، ومثل مَن لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" [1] .

قال القرطبيُّ [2] :"ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العامِّ الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميِّت، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت."

ثم شبَّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة: شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها.

(1) رواه البخاري في: 3 - كتاب العلم، 20 - باب فضل من علِمَ وعلَّم، (1/ 28) .

-ومسلم في: 43 - كتاب الفضائل، 5 - باب بيان مثل ما بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، (رقم 15) ، (4/ 1787) .

-والنسائي في"الكبرى": 27 - كتاب العلم، 4 - مثل مَن فقه في دين الله تعالى، (ل: 75/ب) .

-وأحمد في"المسند": (4/ 399) .

-وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب"الأمثال": برقم (326) ، (ص 221) .

-وأبو يعلى في"مسنده": مسند أبي موسى الأشعري، (ل: 672) .

-والبغوي في"شرح السنة": كتاب العلم، باب التفقه في الدين، (1/ 287) .

(2) هو: أحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباس الأنصاري، فقيه مالكي، ومحدث، يعرف بابن المزين، ولد بقرطبة عام (578هـ) ، توفي بالإسكندرية عام (656هـ) ، له كتاب: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"، وهو غير القرطبي صاحب"التفسير"."

انظر:"البداية والنهاية" (13/ 202) ،"الأعلام" (1/ 186) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت