ومنهم الجامع للعلم، المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم يتفقَّه فيما جمع، لكنه أدَّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقرُّ فيها الماء، فينتفع الناس به.
ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه، ولا يعمل به، ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء، أو تُفْسِدُهُ على غيرها" [1] ."
وبتأمُّل وصف النوع الأول من الأرض بالنقاء، والمقارنة بينه وبين ما سبق تقريره من ضرورة تفريغ القلب من كل هوى أو ميل بإزاء النصِّ، وجعل النصِّ إمامًا، والقلب والعقل تابعين له؛ يتبيَّن بوضوح وصف الفرقة الناجية بقبول الوحي، وتشرُّبه؛ كتشرب الأرض الماء، وسريان روح الإيمان والعلم الصحيح في قلوب أفرادها؛ كسريان الماء في الأرض الطيبة، حيث يمنحها الخصب، والحياة، والنماء.
وهذا القدر من المثل يقابل احتفال الفرقة الناجية -الصحابة ومن بعدهم- بالوحي السماوي، وفرحهم به، وإقبالهم عليه: بالتعلم، والتأثر، والإيمان، حتى يفعل في قلوبهم الظمأى إليه فعل المطر النازل من السماء في الأرض الطيِّبة القابلة للإخصاب.
وهذا يتعلق بالخصيصتين: الأولى والثانية، وهما: العلم الصحيح المبني على النص، والأعمال القلبيَّة المترتِّبة على هذا العلم.
ثم يشير المثل إلى الأثر الظاهر للعلم النافع، المتمثِّل في الأعمال الصالحة القاصرة والمتعدِّية، حيث قال صلى الله عليه وسلم:"فأنبَتت الكلأ والعشب الكثير"، فخروج الكلإ والعشب من هذه الأرض الطيبة بعدما مُطِرَت هو نتيجة طبعية، وكذلك صدور الأعمال الصالحة من المؤمن ذي القلب النقي غير المتلوِّث
(1) نقله ابن حجر في"فتح الباري" (1/ 177) .