الصفحة 233 من 583

الذم كلَّه، وهو الذي لم يرفع بالإسلام رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسل به النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن كان له نصيبٌ من الإسلام؛ دون تحقُّق بالإيمان، ولا اهتمام بحمل العلم وتبليغه؛ فهو محمودٌ على ما أدرك، مذمومٌ على ما فرَّط.

وبهذا تكتمل الصورة، ويتبيَّن ارتباط الخصائص الثلاث بعضها ببعض ارتباطًا لا ينفكُّ: ارتباط العلم الحق -المبني على النص والوحي- بعمل القلب وعمل الجوارح، وتضافر هذه الأركان في تكوين (خصائص الفرقة الناجية) .

ولا يعني هذا أن الفرقة الناجية ملائكة في جثمان إنس! كلا؛ بل لقد كان الصحابة -وهم أعظم صور الفرقة الناجية وأكملها- بشرًا من البشر؛ يعتريهم ضعف البشر، ويحسون -أحيانًا- بثقلة الطين، وجاذبية الأرض، ولكنهم كانوا أفضل البشر -بعد الأنبياء-، حتى وهم يخطئون، إذ سرعان ما ينتفض الإيمان في قلب أحدهم، ويندفع اندفاع السيل إلى منحدره، فتنكسر أمام قوَّته سَوْرَةُ الشهوة، ويُصلْح الفردُ ما ساء من حاله، ويستدرك أمرَه، ويعرِّض نفسه لأشدِّ العقوبات الشرعية -إن كان قد قارف ما يوجبها-، وما قصة ماعز [1] والغامديَّة [2] ببعيدة عن الأذهان.

وكان من خبر ماعز ما صحَّ عن عدد من الصحابة، منهم أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من الناس وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله! إني زنيت -يريد نفسه- فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فتنحَّى لشِق وجهه الذي أعرض قِبَله، فقال: يا رسول الله! إني زنيت. فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات؛ دعاه النبي صلى الله

(1) ماعز: هو ابن مالك الأسلمي رضي الله عنه.

(2) وتسمى الجهنية؛ لأن غامد بطن من جُهينة. انظر:"شرح النووي على مسلم" (11/ 201) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت