الصفحة 236 من 583

مظانه، وتقرَّبوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبهم لآثاره وأخباره ... ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار، والبحث لها، حتى فهموا صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي، فنبَّهوا على ذلك، حتى نَجَمَ الحقُّ بعد أن كان عافيًا، وبَسَقَ بعد أن كان دارسًا، واجتمع بعد أن كان متفرِّقًا، وانقاد للسُّنَن من كان عنها معرضًا، وتَنَبَّه عليها مَن كان عنها غافلًا، وحكم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان وإن كان فيه خلافٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..." [1] ."

وإذا تأمَّلتَ هذه الأقوال وغيرها مما يشبهُها أو يقاربُها [2] ؛ وَجَدْتَ أن لفظ (أهل الحديث) كان يطلق في مقابل:

1 -أهل الكلام الذين"يقولون على الله ما لا يعلمون، ويَفْتنون الناس بما يأتون، ويُبْصرون القذى في عيون الناس وعيونهم تطرف على الأجذاع [3] ، ويتَّهمون غيرهم في النقل ولا يتهمون آراءهم في التأويل" [4] .

والذين اختلفوا"في التوحيد، وفي صفات الله تعالى، وفي قدرته، وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبيٌ إلا بوحي من الله تعالى" [5] .

وهؤلاء المتكلِّمون المعتمدون على عقولهم الملوَّثة بفلسفة اليونان الوثنيَّة لا يمكن لهم أن يدَّعوا أنهم كانوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا يمكن أن يدَّعي أحدٌ لهم ذلك، ولا يمكن أن يدَّعوا أنه يجب حمل الكافة من المسلمين؛ من علماء وعامة، وشيوخ وأحداث، على فهم قوانينهم العقليَّة، وأقيستهم المنطقيَّة، التي لا يتَّفق على معظمها منهم

(1) "تأويل مختلف الحديث"لابن قتيبة، (ص 73 - 74) .

(2) انظر المصدرين السابقين، و"ردّ الإمام الدارمي على بشر المريسي" (ص142 - وما بعدها) ، و"معرفة علوم الحديث"للحاكم (ص 3 - 4) ، و"فضل علم السلف على علم الخلف"لابن رجب الحنبلي، و"عقيدة السلف أصحاب الحديث"للإمام الصابوني، (ص99 - 100) ، ورسالة"مكانة أهل الحديث"للشيخ ربيع بن هادي المدخلي، (ص10 - 14) ، وغيرها.

(3) الجذع أو الجذل: هو أصل الشجرة إذا قطع، وقد يطلق على العود.

انظر:"النهاية" (1/ 251) .

(4) "تأويل مختلف الحديث" (ص 13) .

(5) "تأويل مختلف الحديث" (ص 15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت