الصفحة 237 من 583

اثنان، حتى قال الإمام ابن قتيبة ناعيًا عليهم:

"وقد كان يجب -مع ما يدَّعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر- ألا يختلفوا؛ كما لا يختلف الحُسَّاب والمُسَّاح والمهندسون؛ لأن آلتهم لا تدلُّ إلا على عدد واحد، وإلاَّ على شكل واحد، وكما لا يختلف حُذَّاق الأطبَّاء في الماء، وفي نبض العروق؛ لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد، فما بالهم أكثر الناس اختلافًا؛ لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين؟!" [1] !

"ولو أردنا أن ننتقل عن أصحاب الحديث، ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام ... لخرجنا من اجتماع إلى تشتُّت، وعن نظام إلى تفرُّق، وعن أُنس إلى وَحْشَة، وعن اتفاق إلى اختلاف" [2] .

ولو تصوَّرنا أن بعض رؤساء أصحاب الكلام قام بين ظهراني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقرَّر الآراء والمقالات التي ينتحلها كما يقرِّرها في كتبه ومجالسه؛ ما ارتدَّ إليه طرفه إلا مع خروج نفسه.

2 -كما يطلق لفظ (أهل الحديث) في مقابل (أهل الرأي) ؛ ممَّن يقدِّمون آراءهم الضالَّة وأقيستهم الفاسدة على الكتاب والسنة، ويُعْمِلون في الرويات التي تخالف ما هم عليه معاولَ التضعيف والتأويل، حتى يقول قائلهم:"كل نصٍّ خالف مذهبنا فهو منسوخ أو مؤوَّل" [3] .

ثم يأخذون بالحديث إذا وافقهم ولو كان ضعيفًا، ويبلغ بهم التعصب إلى حد أن يقول آخر منهم:

"ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة،"

(1) "تأويل مختلف الحديث" (ص 14) .

(2) "تأويل مختلف الحديث" (ص 16) .

(3) نقلها الشيخ الخضري عن القاضي الكرخي في كتاب:"تاريخ التشريع الإسلامي" (ص 332) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت