الصفحة 241 من 583

بفطرتهم، ما لم يطرأ على هذه الفطرة مؤثِّرٌ يغيرها، أو صارف يصرفها.

ولذلك قال القاضي عياض:"إنما أراد أحمد: أهل السنة والجماعة، ومَن يعتقد مذهب أهل الحديث" [1] .

ثانيًا: وممَّا يمنع قصر الفرقة الناجية على المنسوبين إلى الحديث ... -فحسب- في الأزمنة المتأخرة -حين ضاق الاصطلاح وتغيَّر-: أن الخير والفضل قد قلَّ في هذه الأمة بعد القرون الثلاثة الفاضلة، وتفرَّق، حتى عزَّ وجود الأفراد المستجمعين للصفات الفرديَّة التي كان عليها السلف الأولون، وحتى لا تكاد توجد فئة مستجمعة للصفات الجماعية والفردية التي كانوا عليها، أو لا توجد ألبتة، فالخير -في الأمة- موجودٌ، ولكنه لا يخلو من دَخَن.

وهذه الفئات التي ترى أنها أحقُّ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأجدرُ بوصف (النجاة) فيها عيوبٌ وأخطاء، وفيها خللٌ وتقصير -حتمًا-، وفي غيرها فضائل لا توجد فيها - قليلة كانت أو كثيرة -.

وإذا كان من المتوقَّع أن يكون التجرُّد في هذا الزمان قليلًا؛ فيجب أن نتوقع -لذلك- أن ثمَّة عيوبًا في هؤلاء ستتحوَّل -في نظرهم- إلى محاسن، وفروعًا ستتحول إلى أصول؛ لأنها صارت خصائص لهم تميِّزهم عن غيرهم، ويجب أن نتوقع أن ثمة جوانب مشرقة عند غيرهم ستلقى منهم الصدود والإعراض والتهوين من شأنها؛ لأنها اقترنت -عندهم- بفئة عيوبها كثيرة، وأخطاؤها فاحشة.

وعلى سبيل المثال: فإن من المألوف لدى الحريصين على اتِّباع السنة في هذا الزمان أن يعتنوا بالجوانب العلمية -والحديثيَّة خاصَّة-، ويحرصوا على

(1) نقله النووي في"شرحه على مسلم" (13/ 67) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت