بالإسلام، ولقد كان كثير من زعماء النحل الضالة، وأصحاب المقالات الزائغة، من هذا النوع.
وما ذاك إلا لإدراكهم أن العدوَّ البعيد الظاهر يسهل التحرُّز منه، وتوقُّع كيده، أما العدو الملابس في الدين والبلد، المتظاهر بالموافقة؛ فممَّا لا يتيسَّر الحذر منه، ولا تعريف الناس بمقاصده.
فأهل الفرقة الناجية يجدون من هؤلاء ومن غيرهم ممَّن ليس على طريقتهم من الكيد والحرب والسخرية ما يجعلهم في غربة حقيقية.
وكلما تقادم العهد، وفَشَت الانحرافات؛ ازدادت غربتهم، واستحكمت، حتى ليكونون في بعض الأزمنة وفي بعض الأمكنة أفرادًا يُشار إليهم بالأصابع.
وغُربتهم غربة محمودة، و"هم أهل الله حقًّا؛ فإنهم لم يأووا إلى غيره، ... ولم ينتسبوا إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم؛ بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث أنطلق الناس؟ فيقولون:"فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منَّا اليوم، وإنَّا ننتظر ربَّنا الذي كنا نعبده" [1] ."
"فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها؛ بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشدُّ ما تكون وحشته إذا استأنسوا، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه" [2] .
وهؤلاء الغرباء"هم القابضون على الجمر [3] حقًّا، وأكثر الناس -بل كلهم- لائمٌ لهم، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدُّونهم أهل شذوذ، وبدعة،"
(1) جاء هذا المعنى في أحاديث الرؤية عن عدد من الصحابة؛ منها: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه:
"إذا كان يوم القيامة؛ أذَّن مؤذن: تتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار ... حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برٍّ أو فاجر؛ أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، فيقال: ماذا تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: فارقنا الناس في الدنيا على أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد ...".
-رواه البخاري في: 65 - كتاب التفسير، 4 - سورة النساء، 8 - باب إن الله لا يظلم مثقال ذرة، (5/ 181) .
ورواه في: 97 - كتاب التوحيد، 24 - باب قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ... ) (8/ 181) .
-ومسلم في: 1 - كتاب الإيمان، 81 - باب معرفة طريق الرؤية، (رقم(302) ، (1/ 167) .
(2) "مدارج السالكين"لابن القيم (3/ 196) .
(3) سيأتي تخريج حديث:"يأتي على الناس زمان: القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر"، في الكتاب الثالث، الفصل الثاني: الصبر والثبات، ضمن سلسلة الغرباء.