ومفارقة للسواد الأعظم" [1] !"
"وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًّا، غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات أتباع ورئاسات، ومناصب وولايات، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم" [2] .
إن الفرقة الناجية غريبة بالنظر إلى كثرة الفرق المخالفة لها، وأفرادها غرباء بالنظر إلى كثرة المنحرفين والهالكين، ولهذه الغربة أسباب عديدة؛ منها:
1 -كثرة الأقاويل والمعتقدات والآراء المخالفة للكتاب والسنة، وكثرة الدُّعاة إلى تلك الآراء والمعتقدات والأقاويل، فيلتبس على كثير من الناس الحقُّ بالباطل، والسنةُ بالبدعة، ويصبح كثير منهم يتَّبعون البدعة يظنُّونها سنة، ويحاربون السنة يظنُّونها بدعة، فيغدو المؤمن المتَّبع للسنة، السائر على البيِّنة الربَّانية، غريبًا بينهم؛ لاتِّباعه وبدعتهم، وعلمه وجهالتهم، وقلَّته وكثرتهم، وتعظم الغربة حين تصبح هذه الآراء المبتَدَعَة والعقائد المنحرفة دينًا يَدين به الكبراء؛ من السلاطين، والرؤساء، والمنسوبين إلى العلم والشرع، فيُطْبِقُ على العامة الجهلُ بالسنة، والإنكار على أهلها، وما يزالون يتوارثون ذلك، يتواصَوْن به، حتى يصبحَ عُرفًا جاريًا، مَن خالفه؛ تعرَّض للسَّبِّ، والتَّنقيصِ، والزراية، والاتِّهام.
2 -اتِّباع الهوى، وانتشار العصبيَّة للمذاهب والآراء، حتى ليصبح الداعي إلى السنة كأنه يدعوهم -فيما يحسبون ويظنُّون- إلى اتباعه، وترك أشياخهم ومقدَّميهم، وليس يدعوهم إلى اتِّباع السنة وهجر البدعة، فتتحرَّك في النفوس العصبيَّة للشيخ والمذهب والطريقة، وتمنع كثيرًا من الناس من سماع الحق -أصلًا- فضلًا عن اتِّباعه.
(1) "مدارج السالكين" (3/ 197) .
(2) "مدارج السالكين" (3/ 198) .