الصفحة 251 من 583

عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإلى اتِّباع الكتاب والسنة، متَّهمًا بين الناس، تشير إليه الأصابع بالرِّيبة، وتتناوله الألسنة بالبهتان.

4 -ويستحكم طوق الغربة حول متبعي السنة إذا كانت الدولة لأهل البدع، والتفَّ حول السلطان علماء السوء الذين يزيِّنون له الباطل، ويأمرونه به، ويبغضون له الحق، ويَنْهَوْنَه عنه، حتى يُشرَب قلبُه حبَّ البدعة وأهلها، وبغضَ السنة وأهلها، فيُوَلِّي أهل البدع، ويستعملهم، ويقرِّبهم، ويستنصح لهم، فيحمل هؤلاء الناس على بدعتهم وضلالهم، ويمكِّنون لمَن كان على مثل حالهم، ويضيِّقون على أهل السنة، وقد يخيفونهم ويفتنونهم؛ كما حدث للإمام أحمد، وابن تيمية، وغيرهما.

ومثل ذلك أن تكون الدولة لأهل الإلحاد والكفر بالله من منتحلي المذاهب الوضعية البشرية؛ كالعلمانية [1] وغيرها؛ فإن هؤلاء لا يرضون أن يكون للدين موقعٌ في المجتمع، ولا أن يكون لأهله مكانةٌ بين الناس، ويعدُّون تحكيم الشرع في الأنفس، والأموال، والأعراض، والدماء، وسائر شؤون الحياة، نوعًا من الزج بالدين في أمور لا علاقة له بها أصلًا، إذ الدين -في عقدهم- علاقة بين الخالق والمخلوق، تقتصر على أداء شعائر معيَّنة في المسجد، أو الكنيسة، وينتهي الأمر عند هذا الحد.

وهؤلاء -وإن كانوا حربًا على الدين كله- إلا أن حربهم لأهل السنة والأثر أشدُّ، وعداوتهم لهم أعظم، لأنهم يجدون كثيرًا من أهل البدع يوافقونهم فيما يريدون من عَزْل الدين عن الحياة؛ كما هو منهج الطرق الصوفية -مثلًا-.

فهذه الأسباب -وغيرها- تضاعف غربة (الفرقة الناجية) -سواء من الناحية الفردية أو الجماعية-، وتحيطها بنوع خاص من الغربة، يضاف إلى

(1) هي الفصل الكامل بين الدين والحياة، وصرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها.

وليس بين (العلمانية) و (العلم) الذي تنسب إليه صلة ما سوى التضليل والخداع.

انظر:"العلمانية وأثرها في الحياة الإسلامية"لسفر الحوالي،"مذاهب فكرية معاصرة"لمحمد قطب، (ص445) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت