الصفحة 252 من 583

الغربة العامَّة الشاملة التي تواجهها هذه الفرقة لأنها فئة من المسلمين، والمسلمون بين أهل الأرض غرباء، وللمستقيمين على الجادة، السالكين الطريق المستقيم، من هذه الغربة أوفاها وأكملها.

فالفرقة الناجية تعيش غربة المسلمين بين أهل الملل والأديان الأخرى في سائر أقطار الأرض، وتعيش غربتها الخاصة بين المسلمين، والتي تُحْكِم خيوطَها أيدي المسلمين أنفسهم!

ومع ذلك؛ فهذه الفرقة مطالَبة بالقيام بأمر الله، ونشر دينه ودعوته، والصَّدْع بما لديهم من علم وفهم، ومعالجة لهذه الغربة، والقيام بتجديد الدين بين المسلمين، وإقامة الحُجَّة على أهل العصر، وعدم الاستسلام لليأس، أو الرُّكون إلى الدَّعة، ويتولَّى عظم هذا الأمر وجملَته الطائفة المنصورة -كما سيأتي-، وهي من الفرقة الناجية.

فوصفهم بالغربة ليس حثًّا على الاعتزال، ولا أمرًا بالقعود؛ بل هو دعوة إلى التميُّز بالمنهج المستقيم، والصبر عليه، وإعلانه، والدعوة إليه، والاجتماع حوله، إذ إن ذلك كله من أسباب اندفاع الغربة وزوالها، ومن أسباب الاستمساك بالحق الذي يحمله المغترب، فالمضحِّي في سبيل شيء ما يعزُّ عليه أن يتخلَّى عنه، وحين يكون هذا الشيء هو الحق؛ يكون ذلك من سعادة المسلم وتوفيقه.

وإذا كان الشعور بالغربة، وكثرة المخالفين والمناوئين، شعورًا صحيحًا لدى الفرقة الناجية، بحيث لا يَعيبهُم نبزُ الناس لهم بالشُّذوذ، واتِّهامهم بتفريق الصُّفوف؛ فإنه يجب التفريق بين هذا وبين الشعور المنحرف الذي يتعاظم ويشتدُّ لدى بعض الغلاة، الذين لا يجدون مَن يوافقهُم في غلوِّهم وانحرافهم، فيُعَزُّون أنفسهم بأنهم يعيشون زمن غربة الإسلام، فيزيدهم هذا تمسُّكًا بما هم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت