الصفحة 26 من 583

المفاسد وقلت المصالح، وأصبح من العسير تحصيل المصلحة إلا ومعها قدر من المفسدة، ومن العسير-أيضًا- فعل المصلحة الراجحة لكثرة المعوقات والمثبطات التي تقعد بالإنسان عن ذلك.

وإذا كانت هذه الغربة جزءًا من معنى الغربة العام، فإنه يمكن تقسيم المعنى العام للغربة إلى صورتين:

الأولى: غربة أهل الإسلام في أهل الأديان، في كل زمان ومكان فالمسلمون في الكفار هم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة [1] .

إنهم قليل، (( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) ) [2] .

"عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قبة، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟، قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا شطر [3] أهل الجنة؟ قلنا. نعم. قال: والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر" [4] ."

وهذه الحقيقة الثابتة- شرعًا وقدرًا- وهي قلة المؤمنين في جنب الكفار توجب للمسلم نظرة متوازنة معتدلة:

أ- فالذين يطمعون في تطهير الدنيا من الكفر والشرك مثاليون، ومغرقون في التفاؤل؛ بل لا يزال الصراع بين التوحيد والشرك قائمًا حتى يأتي أمر الله.

ب- والذين يتخذون من هذه الحقيقة تكأة للقعود عن دعوة غير

(1) الشامة: الخال المعروف في الإنسان وغيره، المتميز لونه عن لون باقي الجسد. انظر: النهاية (2/ 436) .

والرقمة: هي الشيء الناتئ في ذراع الدابة من داخل. النهاية (2/ 254) .

(2) سورة سبأ- جزء من الآية (13) .

(3) الشطر: النصف، النهاية) 2/ 473).

(4) الحديث رواه البخاري في: 81 - كتاب الرقاق، 45 - باب كيف الحشر؟ (7/ 195) ، وفي: 83 - كتاب الأيمان والنذور 3 - باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم (7/ 220) .

ومسلم في: 1 - كتاب الإيمان، 95 - باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة. رقم (376 - 378) : (1/ 200) .

والترمذي في: 39 - كتاب صفة الجنة، 13 - باب ما جاء في وصف أهل الجنة، رقم (2547) ، (4/ 684) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وابن ماجه في: 37 - كتاب الزهد، 34 - باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، رقم (4283) (2/ 1432) .

وأحمد في مسنده: (1/ 386،437) .

والطبري في التفسير، تفسير سورة الحج، (17/ 122) .

وابن منده في كتاب الإيمان، ذكر وجوب الإيمان برؤية الله -عز وجل-، رقم (195، 196) ، (2/ 901 - 902) .

وأبو نعيم في الحلية، في ترجمة عمرو بن ميمون الأودي، رقم الترجمة (258) : (4/ 152 - 153) .

وهناد بن السري في الزهد، باب عدة المسلمين في الكفار: (1/ 146) ، رقم (195) . وقد ورد الحديث عن عدة من الصحابة منهم 1 -: أبو سعيد الخدري، أخرجه البخاري في: (4/ 109 - 110) ، وفي (7/ 196) ، وفي (5/ 241) ، وفي (8/ 195) مختصرًا.

ومسلم في: (1/ 201 - 202) .

وأبو عوانة: (1/ 89) .

2 -أبو هريرة، أخرجه البخاري في: (7/ 196) .

وأحمد في المسند: (2/ 378) وغيرهما.

3 -عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في: (5/ 322 - 324) ، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".

4 -6 أنس بن مالك، وابن عباس، وأبو الدرداء. انظر: الإيمان لابن منده: (2/ 905) ، المسند (6/ 441) ، (4/ 435) ، والزهد لهناد: (2/ 146، 148) وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت