عن عُمير بن الأسود [1] وكثير بن مُرَّة الحضرمي [2] ، قالا: إن أبا هريرة وابن السمط قالا: لا يزالُ المسلمون في الأرض حتى تقوم الساعة، وذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"لا تزالُ عصابةٌ قوَّامةٌ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هم أهل الشام" [3] .
وعن محمد بن كعب القرظي [4] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تبرح عصابة من أُمَّتي، ظاهرين على الحق، لا يبالون مَن خالَفَهم، حتى يخرُجَ المسيح الدَّجَّال، فيقاتِلونَه" [5] .
وبهذا العرض لروايات الحديث تتبيَّنُ صحَّة القول بتواتره، حيث رواه تسعة عشر صحابيًّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عن بعضهم من طرق متعدِّدة، وأخرجه الأئمة في كتبهم؛ كالصحيحين، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والتواريخ، وكتب العقائد، وكتب الرجال ... وغيرها.
وهذا يورِثُ المسلم طمأنينة وإيمانًا وتفاؤلًا بنصر الله لهذا الدين، بمقتضى الوعد الإلهي الوارد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.
(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حين) [6]
وسأعرض لخصائص الطائفة المنصورة، ثم أثنِّى بتحديد: من هي؟ حتى يكون التحديد مبنيًّا على تلك الخصائص.
خصائص الطائفة المنصورة:
وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الطائفة بالمنصورة، وهذا فيه وعدٌ لها بالنصر العاجل والآجل، المادي والمعنوي، وما كان استحقاق هذه الطائفة للنصر إلا عن تميُّزها بخصائص معيَّنة.
(1) عمير بن الأسود: هو عمرو بن الأسود العنسي، أبو عياض، سكن داريا، وهو من العلماء العباد الثقات، مات في خلافة معاوية رضي الله عنه.
"التهذيب" (8/ 4) ،"تاريخ داريا" (ص 70 - 71) .
(2) كثير بن مرة الحضرمي: هو أبو شجرة الرهاوي، تابعي، شامي، ثقة، أدرك خلافة عبد الملك بن مراوان، ومات بين السبعين والثمانين.
"التهذيب" (8/ 428) .
(3) رواه البخاري في"التاريخ الكبير"في ترجمة شرحبيل بن السمط الكندي، ورقمها (2691) ، (4/ 62) ، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، (أخبر) نا يحيي بن حمزة، حدثني نصر ين علقمة، أن عمير بن الأسود وكثير ابن مرة الحضرمي قالا: (فذكره) .
-وعبد الله بن يوسف: هو التِّنيِّسي: ثقة متقن.
-ويحيى بن حمزة: هو ابن واقد الحضرمي، أبو عبد الرحمن البتلهي -نسبة إلى بيت لهيا قرية بقرب دمشق-: ثقة، رمي بالقدر.
انظر:"التهذيب" (11/ 200) ،"التقريب" (2/ 346) .
-ونصر بن علقمة: ثقة.
انظر:"التهذيب" (10/ 429) ،"الكاشف" (3/ 177) .
وعمير بن الأسود وكثير بن مرة: سبق آنفًا أنهما ثقتان.
فالحديث بهذا الإسناد صحيح.
-وقد رواه ابن ماجه من طريق يحيى بن حمزة، قال: حدثنا أبو علقمة، عن عمير بن الأسود وكثير بن مرة الحضرمي، عن أبي هريرة، بنحوه. ولم يذكر فيه شرحبيل بن السمط، وسبق في تخريج حديث أبي هريرة.
(4) هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه ممَّن لم ينبت يوم قريظة، فترك ولد محمد في آخر خلافة علي رضي الله عنه سنة (40هـ) ، وكان صالحًا، ثقة، عالمًا بالقرآن، توفي سنة (118هـ) .
انظر:"التهذيب" (9/ 420) ،"التقريب" (2/ 203) .
(5) رواه سعيد بن منصور في: كتاب الجهاد، باب من قال الجهاد ماض، برقم (2376) ، (3/ 2/178) ، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن محمد كعب.
وعبد العزيز بن محمد: هو الدراوردي: صدوق.
انظر:"التهذيب" (6/ 353) ،"الميزان" (2/ 633) ،"المغني" (2/ 398) .
-وعمرو بن أبي عمرو: هو ميسرة، مولى المطَّلب بن عبد الله بن حنطب: صدوق، قال الذهبي:"حديثه صالح حسن، منحط عن الدرجة العليا من الصحيح".
-انظر:"التهذيب" (8/ 82) ،"الميزان" (3/ 281) .
-فهذا مرسلٌ حسنٌ.
-ويعتضد بالأحاديث السابقة، وأقربها إلى لفظه حديث عمران ابن حصين رضي الله عنه.
-وقد جاء مرسلٌ آخر عن الحسن وفيه:"بني الإسلام على ثلاثة: الجهاد ماض منذ بعث الله نبيَّه إلى آخر فئة من المسلمين، تكون هي التي تقاتل الدجال ..."الحديث.
-رواه أبو عمرو الداني في"السنن الواردة في الفتن": باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي" (ل:46/ب) .
(6) ص: 88.