واللسان، والقلب، معارضون لكل انحراف يقع بين المسلمين، أيًّا كان نوعه: سياسيًّا، أو اجتماعيًّا، أو اقتصاديًّا، أو علميًّا، أو اعتقاديًّا، فهم (أولو البقية) الذين ينهون عن الفساد في الأرض، وهم الناجون حين يهلك الظالمون.
قال تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَ منَ القُرُون من قَبْلكُمْ أُولُو بَقيَّة يَنْهَوْنَ عَن الفَسَاد في الأَرْض إِلاَّ قَليلًا ممَّنْ أَنجَيْنَا منْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرفُوا فيه وَكَانُوا مُجْرمينَ) [1] .
إن مما يؤكِّد خطورة هذه الخاصيَّة، وأهمِّيتها البالغة، وأثر المتحلِّين بها في حفظ كيان الأمة: أن فقدان هذه الفئة الآمرة الناهية بين الناس هو من أعظم أسباب هلاكها وتعرُّضها لمقت الله وسخطه، ووجود هؤلاء المصلحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من أعظم أسباب اندفاع العذاب عن الأمم [2] .
ولذلك عقَّب سبحانه على الآية السابقة بقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ ليُهْلكَ القُرَى بظُلْم وَأَهْلُهَا مُصْلحُونَ) [3] .
ومما يؤكِّد هذا المعنى ويجلّيه -في حق هذه الأمة، وهذه الطائفة- أن الله تعالى تكفَّل ببقاء هذه الأمة واستمرارها إلى أن يأتي أمرُه سبحانه، وسيأتي تحقيق أن المراد بأمره الريح التي مسُّها مسُّ الحرير، وريحُها ريح المسك، والتي تهبُّ قبيل قيام الساعة، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى إلا شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة [4] .
وبقاء هذه الأمة إنما هو لوجود هذه الطائفة القائمة بأمر الله، إذ هم أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض، وهم المصلحون.
ولهذا مهد أبو هريرة وشُرحبيل بن السمط الكندي رضي الله عنهما لرواية حديث الطائفة المنصورة بقولهما:"لا يزال المسلمون في الأرض حتى"
(1) هود: 116.
(2) ستأتي الأحاديث النبوية المصرِّحة بذلك، والتعليق عليها في الرسالة الثالثة من هذه السلسلة، فصل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(3) هود: 117.
(4) كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.