الصفحة 266 من 583

يزعم أنه نبيٌّ، وأنا خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي، ولا تزال طائفةٌ من أُمَّتي على الحق -قال ابن عيسى [1] : ظاهرين. ثم اتفقا [2] -، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله" [3] ."

وكان ابن ماجه رحمه الله إذا فرغ من رواية هذا الحديث يقول:"ما أهوله!" [4] .

ففي الحديث إشارة جليَّة إلى أن الأمَّة لن تهلك بسنة عامَّة؛ لأنه لا تزال منها طائفة قائمةٌ بأمر الله.

وإشارة أخرى إلى أن هذه الأمة، مهما وقع فيها من مظاهر غُربة الدين؛ من البلاء، والافتراق، والقتال، وفساد الحكم، وضياع معالم الدين عند الكثير من الفئات والطوائف، حتى يلحق بعضُها بالمشركين في الأفكار والمبادئ والمعتقدات والولاءات، وحتى يعبدَ بعضُها الأصنام الحسيَّة والمعنوية ...

مهما حدث من هذا وغيره؛ فإن الذي يستنزل غضب الله وعقابه العام الشديد بإهلاك الأمة هو أن لا يوجد فيها أولو بقيَّة ينهَوْن عن الفساد في الأرض بوضوح وظهور وقوة وثبات، وهذا -أعني: عدم وجود أولي بقية - قد يقع في بعض البلاد، في زمن معيَّن، أو مطلقًا، لكنه لا يقع في الأمة كلها إلا قُبَيل الساعة.

وهذا يبيِّنُ خطورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأهمِّيته في تحقيق استمرار وجود الأمة، وحمايتها من الهلاك العامّ، وصلاحيتها للبقاء.

ويبيِّن أن الفئة القائمة بهذا الأمر، المتصدِّية له على الدوام، هي

(1) هو محمد بن عيسى، شيخ أبي داود، وهو ابن نجيح البغدادي، أبو جعفر الطباع، سكن أذنة، ولد سنة (150هـ) ، ومات سنة (224هـ) ، وكان ثقة فقيهًا.

انظر:"التهذيب" (9/ 392) ،"التقريب" (2/ 198) .

(2) أي: شيخا أبي داود، وهما: محمد بن عيسى، وسليمان بن حرب.

-وسليمان بن حرب: هو ابن بجيل الأزدي الواشجي، أبو أيوب البصري، ولد سنة (140هـ) ، ومات سنة (224هـ) ، وهو ثقة، ثبت، روى له الجماعة.

انظر:"التهذيب" (4/ 178) ،"التقريب" (1/ 322) .

(3) أبو داود: 39 - كتاب الفتن والملاحم، 1 - باب ذكر الفتن ودلائلها، (رقم 4252) ، ورواه البرقاني في"صحيحه"بتمامه، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في"الاقتضاء" (1/ 122) .

-وسبق تخريج طرفه المتعلق بالطائفة المنصورة.

-وإسناد أبي داود هو إسناد مسلم؛ سوى شيخي أبي داود، وهما ثقتان؛ كما علمت، فالإسناد صحيح.

(4) "سنن ابن ماجه" (1/ 5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت