وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم التصريح باستمرار الجهاد ودوامه؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم" [1] .
وقد استدلَّ بهذا الحديث الإمام أحمد رحمه الله على استمرار الجهاد ومُضيِّه إلى يوم القيامة، فقال:"فقهُ هذا الحديث أن الجهاد مع كلِّ إمام إلى يوم القيامة" [2] .
وتَبعه على ذلك الإمام البخاري، حيث بوَّب في"صحيحه":"باب: الجهاد ماض مع البرِّ والفاجر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" [3] .
وهكذا صنع عددٌ من الأئمة؛ أدخلوا الحديث ضمن كتاب الجهاد، وبوَّبوا عليه بثبات الجهاد ومضيِّه إلى يوم القيامة؛ كما صنع أبو عَوانة [4] ، وسعيد بن منصور [5] ، والنسائي [6] ، والدَّارمي [7] .
وقد ربط الحافظ ابن حجر بين هذا الحديث وحديث الطائفة المنصورة، فقال:"لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسَّره بالأجر والمغنم، (و) [8] المغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد ... وفيه بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن مِن لازم بقاء الجهاد بقاءَ المجاهدين، وهم المسلمون."
وهو مثل الحديث الآخر:"لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي يقاتلون على الحق" [9] .
والمقصود -والله أعلم- أن الجهاد لا ينقطع انقطاعًا دائمًا مستمرًا؛ بل لا يزال في الأمَّة طائفةٌ منصورةٌ، تجاهد في سبيل الله أعداءَ الله، ولكن هذا لا
(1) الحديث في"الصحيحين"وغيرهما، وسيأتي تخريجه في الرسالة الثالثة بإذن الله، فضل الجهاد في سبيل الله.
(2) رواه عنه الترمذي (4/ 303) .
(3) "صحيح البخاري" (3/ 215) .
-وقد ورد بمعنى لفظ الترجمة حديث مرفوع عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من أصل الإيمان: الكفّ عمَّن قال: (لا إله إلا الله) ، ولا نكفِّره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمَّتي الدجَّال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل".
-رواه سعيد بن منصور في"سننه": كتاب الجهاد، باب: من قال: الجهاد ماض، برقم (2367) ، (3/ 2/176) .
-وعنه أبو داود في: 9 - كتاب الجهاد، 35 - باب الغزو مع أئمة الجور، برقم (2532) ، (3/ 40) .
-وفي إسناده يزيد بن أبي نشبة، وهو مجهول.
انظر:"الميزان" (4/ 440) ،"التهذيب" (11/ 364) ،"التقريب" (2/ 371) .
-فهو ضعيف.
-وقال ابن حجر:"وفي إسناده ضعف"."الفتح" (6/ 56) .
(4) "الصحيح المسند" (5/ 109) .
(5) "السنن" (3/ 2/177) .
(6) في"الكبرى" (ل 116 - ب) .
(7) في"السنن" (2/ 133) .
(8) زيادة يقتضيها المعنى.
(9) "الفتح" (6/ 56) .