الصفحة 270 من 583

يعارض ما وُجدَ ويوجَدُ في بعض الأمكنة وبعض الأزمنة من ترك الجهاد، ممَّا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وحذَّر منه، فوقع في الأمة كما أخبر.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا تبايَعْتُم بالعينة [1] ، وأخذْتُم أذناب البقر، ورضيتُم بالزَّرع، وتركتُم الجهادَ؛ سلَّط الله عليكم ذُلًا لا ينزِعُهُ حتى ترجِعوا إلى دينِكم" [2] .

فقد تترك عامة الأمة الجهاد في سبيل الله، وتخلد إلى الأرض، وتشتغل بالزرع أو غيره من شؤون دنياها، وتلهو به عما أُخرجت له من الجهاد وقتال أعداء الله، فيسلِّط الله عليها الذُّلَّ والهوان.

وحينئذ تكون مهمَّة الطائفة المنصورة: الجهاد في الجانبين الأولين جانب الدعوة إلى الله وإلى رسوله، ونشر السنة، وحرب البدعة. وجانب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إضافة إلى قيامها بالواجب في التهيئة للقتال، وحرب أعداء الله بالسلاح، وعملها على إزالة العوائق والعقبات التي تحول دون الجهاد؛ فإنه إذا وجب عليها القتال والحرب لأعداء الدين؛ فقد وجب عليها الاستعداد لهذه الحرب بكل وسيلة ممكنة، ووجب عليها السعي لإزالة الموانع الحائلة دون قيامها بالواجب، ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

وبجهود هذه الطائفة ترجع الأمة -عامَّة- إلى الجهاد، وتخوض الغمرات إلى أعدائها، حتى ينصرها الله، ويعيد لها عزَّتَها ومجدَها وكرامَتها.

فترك عامة الأمة للجهاد هو وضعٌ مؤقَّتٌ، لأننا نجد أن آخر هذه الأمَّة، من الطائفة المنصورة، يقاتل المسيح الدَّجَّال.

والجهاد الذي بدأ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينتهي حتى

(1) العينة: هي أن يشتري من رجل سلعة بثمن معلوم مؤجل، ثم يبيعها عليه بأقل من الثمن الذي اشتراها به.

انظر:"النهاية" (3/ 333) ،"عون المعبود" (3/ 291) .

(2) رواه أبو داود في: 17 - كتاب البيوع والإجارات، 56 - باب في النهي عن العينة، برقم (3462) ، (3/ 740) ، من طريق سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، ومن طريق جعفر بن مسافر التنِّيسي، حدثنا عبد الله بن يحيى البرلسي؛ كلاهما عن حيوة بن شريح، عن إسحاق أبي عبد الرحمن، أن عطاء الخراساني حدثه، أن نافعًا حدثه، عن ابن عمر.

-وسليمان بن داود المهري: ثقة.

انظر:"التهذيب" (4/ 186) ،"التقريب" (1/ 323) .

-وابن وهب: هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم، ثقة، حافظ.

انظر:"التهذيب" (6/ 71) ،"التقريب" (1/ 460) .

-وجعفر بن مسافر التنيسي -بكسر التاء وتشديد النون- صدوق، ربما أخطأ.

انظر:"التهذيب" (2/ 106) ،"التقريب" (1/ 132) ،"الكاشف" (1/ 131) .

-وحيوة بن شريح: هو ابن صفوان بن مالك التجيبي: ثقة.

انظر:"التهذيب" (3/ 690) ،"التقريب" (1/ 208) .

وإسحاق، أبو عبد الرحمن: هو إسحاق بن أَسيد -بفتح الهمزة- الأنصاري، وهو المذكور باسم أبي عبد الرحمن الخراساني في بعض الأسانيد: قال أبو حاتم:"شيخ ليس بالمشهور، ولا يشتغل به"، وقال الذهبي:"جائز الحديث"، وقال ابن حجر:"فيه ضعف".

انظر:"الجرح والتعديل" (2/ 213) ،"الميزان" (1/ 184) ،"التهذيب" (1/ 227) ،"التقريب" (1/ 56) .

-وعطاء الخراساني: هو ابن أبي مسلم، صدوق، مشهور.

انظر:"التهذيب" (7/ 212) ،"المغني" (2/ 434) ،"التقريب" (2/ 23) ،"الديوان" (ص 214) .

-ونافع مولى ابن عمر: ثقة، ثبت.

انظر:"التهذيب" (10/ 412) ،"التقريب" (2/ 296) .

-ومن طريق عبد الله بن يحيى أخرجه -أيضًا- الدولابي في"الكنى"من كنيته أبو عبد الرحمن (2/ 65) .

-والبيهقي في"السنن": كتاب البيوع، باب ما ورد في كراهية التبايع بالعينة، (5/ 316) .

-وقد تابع إسحاق بن أسيد في روايته عن عطاء: الأعمش في"المسند" (2/ 28) ، و"مسند ابن عمر"للطرسوسي (رقم22) (ص6) .

والأعمش: ثقة، مدلس، تدليسه محتمل، فالحديث بذلك حسن لغيره.

-ورواه أبو نعيم من وجه ثالث في: ترجمة ابن عمر، ورقمها (44) ، (1/ 313) .

-والحديث له طريق أخرى عند الإمام أحمد في"المسند": (2/ 84) ، قال: حدثنا يزيد، أ (أخبر) نا أبو جناب يحيى بن أبي حيَّة، عن شهر ابن حوشب، سمعتُ عبد الله بن عمر يقول ... وفيه:"ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم، ثم لا تنزع منكم حتى ترجعون إلى ما كنتم عليه وتتوبون إلى الله".

-ويزيد: هو ابن هارون، ثقة، متقن.

انظر:"التهذيب" (11/ 366) ،"والتقريب" (2/ 372) .

-وأبو جناب، يحيى بن أبي حية: هو الكلبي، فيه ضعف، مع كثيرة تدليسه، عدَّه ابن حجر في الطبقة الخامسة، وهم من ضعفوا بأمر آخر سوى التدليس.

انظر:"التهذيب" (11/ 201) ،"الكاشف" (3/ 223) ،"التقريب" (2/ 346) ،"تعريف أهل التقديس" (ص146) .

-وشهر بن حوشب: صدوق، كثير الوهم.

انظر:"التهذيب" (4/ 369) ،"التقريب" (1/ 355) .

-وهذا الإسناد ضعيف؛ لحال أبي جناب وشهر، ولم يصرِّح فيه أبو جناب بالتحديث.

-وله شاهد عن جابر نحوه.

-رواه ابن عدي في"الكامل"في ترجمة بشير بن زياد الخراساني (2/ 455) ، وقال:"وهو -يعني بشيرًا- غير مشهور، في حديث بعض النكرة"وقال:"... يروي عن المعروفين ما لا يتابعه أحد عليه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت