يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [1] .
فهؤلاء القوم هم الطائفة المنصورة.
وكما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة منصورة ظاهرة قائمة بأمر الله إلى قيام الساعة، فقد وعد وعدًا خاصًّا مندرجًا في هذا الوعد العامِّ، وهو البشارة ببعثة من يجدِّد لهذه الأمة أمر دينها.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إِن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة مَنْ يجدِّد لها دينها" [2] .
ولفظ (مَنْ) في الحديث يُطلق على الفرد، وعلى الجماعة، فيحتمل المعنى أن يكون المبعوث فردًا، ويحتمل أن يكون جماعة أو طائفة، فإن كان المجدِّد فردًا؛ فلا بدَّ أنه من الطائفة المنصورة، وهذا مما لا يحتاج إلى بيان، وإن كانت مهمة التجديد موكولة إلى فئة؛ فهي الطائفة المنصورة -بلا ريب-؛ وذلك لأن خصائص هذه الطائفة هي الخصائص التي يُحتاج إليها في تجديد الدين لهذه الأمة.
وهذا -أي: التجديد- قد يكون بفرد، وقد يكون بطائفة، وكونه بطائفة أغلب هو ما رجحه الحافظ ابن حجر، حيث قال:
"لا يلزم أن يكون في رأس كل مئة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو متَّجه؛ فإن اجتماع الصفات المُحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد؛ إلا أن يدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز؛ فإنه كان القائم بالأمر على رأس المئة الأولى؛ باتِّصافه بجميع صفات الخير، وتقدُّمه فيها، ومن ثَمَّ أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه."
(1) المائدة: 54.
(2) رواه أبو داود في: 31 - كتاب الملاحم، 1 - باب ما يذكر في قرن المئة، برقم (291) ، (24/ 280) ، قال: حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، - فيما أعلم - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو داود:"رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، لم يجز به شراحيل".
-والحاكم في: كتاب الفتن والملاحم، (4/ 522) ، من طريق الربيع بن سليمان عن ابن وهب به.
وسكت عنه هو والذهبي، كما في مطبوعة"المستدرك"، ولكن نقل السيوطي في رسالة"التنبئة فيما يبعثه الله على رأس كل مئة" (ل: 2/أ) ، والمناوي في"فيض القدير شرح الجامع الصغير" (2/ 282) ، نقلا تصحيح الحاكم له، والله أعلم.
-والخطيب البغدادي في:"تاريخ بغداد"، في ترجمة محمد بن إدريس الشافعي، ورقمها (454) ، (2/ 61) .
-وابن عدي في مقدمة"الكامل"في: ترجمة الشافعي -أيضًا- (1/ 123) ، من طريق عمرو بن سواد، وحرملة بن يحيى، وأحمد ابن عبد الرحمن بن وهب.
-ومن طريق ابن عدي أخرجه البيهقي في"معرفة السنن والآثار": (1/ 137) .
-ورواه الحسن بن سفيان في"مسنده"عن حرملة بن يحيى، وعن عمرو بن سواد؛ كما في كتاب"توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس"لابن حجر: الفصل الثاني، في بشارة المصطفى صلى الله عليه وسلم به -يعني: بالشافعي- (ص 46) .
-ومن طريق الحسن أخرجه البيهقي في كتاب"مناقب الشافعي": باب: ما جاء في إخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه يبعث لهذه الأمة ... إلخ، (1/ 53) .
-وأخرجه الداني في:"السنن الواردة في الفتن"من طريق أبي داود: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ..."، (ل: 45/أ-ب) .
-ورواه ابن عساكر في"تبيين كذب المفتري": باب ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من بشارته بقدوم أبي موسى ... إلخ، (ص 51 - 52) .
-وعزاه السيوطي في رسالة"التنبئة"إلى الطبراني في"معجمه الأوسط"، وأبي نعيم، والبزار، (ل: 2/أ) .
-وسليمان بن داود المهري: ثقة.
-وابن وهب: هو عبد الله: ثقة، حافظ.
وسعيد بن أبي أيوب: هو سعيد بن مقلاص الخزاعي، مولاهم، أبو يحيى المصري، ثقة، ثبت.
انظر:"التهذيب" (4/ 7) ،"التقريب" (1/ 292) .
-وشراحيل بن يزيد المعافري: صدوق.
انظر:"التهذيب" (4/ 320) ،"التقريب" (1/ 348) .
-وأبو علقمة: هو المصري الهاشمي: ثقة.
انظر:"التهذيب" (12/ 173) ،"التقريب" (2/ 452) .
-فهذا إسناد حسن؛ لحال شراحيل بن يزيد المعافري.
-وقول أبي داود:"رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، لم يجز به شراحيل"؛ يعني: أن عبد الرحمن قد أرسل الحديث، فلم يذكر في إسناده أبا علقمة، ولا أبا هريرة.
-وعبد الرحمن بن شريح: ثقة.
انظر:"التهذيب" (6/ 193) ،"التقريب" (1/ 484) .
-ولكن رواية سعيد بن أبي أيوب المتصلة هي الراجحة؛ لرجحان سعيد بن أبي أيوب على عبد الرحمن بن شريح في الثقة والعدالة، وإن كانا جميعًا ثقتين، مع أن الرفع زيادة ثقة، فهي مقبولة، ولم يعارضها ما هو أقوى منها أو مثلها.
-وقول الراوي:"فيما أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم": هو نوع من التثبُّت والتحرِّي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يعلمه هو رفع الحديث، وهذا كاف في ثبوت رفعه.
وعلى فرض وقفه على أبي هريرة، فهو مما لا يقال بالرأي، إذ هو إخبار عن أمر غيبي لا يعلمه إلا الله.
-والحديث صحَّحه الأئمة؛ كابن حجر في"توالي التأسيس" (ص 49) ، والزين العراقي كما في رسالة"التنبئة"للسيوطي (ل:2/أ) ، و"مرقاة الصعود"له (ل:189/ب) ، وغيرهما، وحكى السيوطي الاتفاق على ذلك، فقال:"اتفق الحفاظ على أنه حديث صحيح""التنبئة" (ل:2/أ) ، وغيرهم كثير.
-وقد رُوي الحديث بألفاظ أخرى معلَّقًا عن عدد من الأئمة:
-فرواه النحاس في:"الناسخ والمنسوخ"، عن سفيان بن عيينة (ل:85/ب) ، ورواه البيهقي في"المعرفة" (1/ 137) ، وابن عساكر في"التاريخ"؛ كما في"التنبئة" (ل:2/ب) ، والبزار، والفريابي، والهروي؛ كما في"توالي التأسيس" (ل:47 - 48) ، وأبو نعيم في"الحلية" (9/ 97) عن الإمام أحمد.