الصفحة 273 من 583

وأما من جاء بعده؛ فالشافعي، وإن كان متَّصفًا بالصفات الجميلة؛ إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل.

فعلى هذا؛ كل من كان متَّصفًا بشيء من ذلك عند رأس المئة هو المراد، سواء تعدَّد أم لا" [1] ."

وثَمَّة أقوال لعدد من الأئمة تلتقي حول هذا الرأي؛ كرأي الإمام الذهبي الذي نقله المُناوي في"فيض القدير" [2] ، ورأي ابن الأثير الجزري [3] ، ورأي ابن كثير [4] ، ورأي الشيخ محمد يحيى الذي نقله السهارنفوري [5] .

ومن البدهي أن المجدِّد لهذا الدين -لو كان فردًا- لا يخرج من فراغ، ولا يستطيع بمفرده - بحال من الأحوال -أن يجدِّد الدين-كل الدين- للأمة - كل الأمة -.

إن من الواضح أن مثل هذا العمل التاريخي الجبَّار لا يضطلع بمباشرة كل جوانبه فردٌ واحدٌ، بل يحتاج إلى طائفة تتولَّى التَّجديد في كل جوانب الحياة الإسلامية، فيكون منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون ومنهم زُهَّاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرِّقين في أقطار الأرض" [6] ."

ولكن -مع هذا- يمكن أن نتصور الطائفة المنصورة -وهي تؤدِّي واجبها المقدَّس في الدفاع عن الدين، وحماية الحوزة، وحفظ السنة- قد صارت عبارة عن فئات متعدِّدة، لا يربط بينها رابط، ولا يحفظ تماسكها اجتماع، وربما تسرَّب إليها داء الاختلاف والتلاوم، ورضيت كل فئة منها بالجانب الذي تصدَّت له؛ من تعليم، أو دعوة، أو أمر، أو نهي، أو قتال،

(1) "فتح الباري" (13/ 295) ، وانظر:"توالي التأسيس" (ص 49) ، ففيه كلام قريب مما في"الفتح".

(2) "فيض القدير" (1/ 11) .

(3) "جامع الأصول" (11/ 320 - 324) .

(4) في"البداية والنهاية" (6/ 89) .

(5) في"بذل المجهود" (17/ 202) .

(6) "شرح النووي على مسلم" (13/ 66) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت