وثبات هذه الطائفة على دينها، وتمكُّنه من نفوس أفرادها؛ على رغم استحكام الغربة، وكثرة المخالف، وقلة الموافق، واختلاف الأمر، وكثرة الأدعياء، هو من أعظم صور الظهور، والقوة العقدية، والانتصار على دواعي الهوى، ومغالبة الصوارف المادية والمعنوية.
ولذلك قال تعالى: (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذينَ آمَنُوا في الحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) [1] .
ومع تولِّيه سبحانه لنصر أوليائه المؤمنين، من الرسل وأتباعهم؛ فإننا نجد منهم مَن قتل، ومنهم من ظهر عليه أهل الباطل ظهورًا ماديًّا مؤقّتًا؛ كما حدث لأصحاب الأخدود وغيرهم.
إذًا؛ فالنصر ليس صورة واحدة تتحقَّق في ميدان الحرب والقتال، بل هو صور كثيرة؛ منها أن يمنح الله أولياءه من الصبر على الدِّين والعقيدة، وإن أزهقت الأرواح، وإن عُذِّبت الأجساد، وإن أوذي الأهل، وإن شُرِّد الأولاد.
هذا مع يقين المؤمن بأن العاقبة للمتَّقين في الدنيا والآخرة، والدهر دُولٌ، وإن أشكل على بعض المتعجِّلين حال المؤمنين في حيز محدود من المكان، وفي لحظة محدودة من الزمان، و (تلْكَ الأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَيْنَ النَّاس) [2] .
ويدخل في هذا المعنى: غلبتُهم بالحجة والبيان، وسيطرة منطقهم على العقول والقلوب؛ لما يعتمد عليه من الحق الصريح المقتَبَس من الكتاب والسنة، وهذا يدعو إلى اتِّباعهم وموافقتهم، فالحق غلاَّبٌ، والباطل خلاَّبٌ.
ولذلك نجد بعض أعداء هذه الطائفة ومناوئيها يُذْعن للحق الذي تحمل، ويتخلَّى عما هو عليه من البدعة والضلال، وهذا من أعظم أسباب
(1) غافر: 51.
(2) آل عمران: 140.
وانظر:"تفسير الطبري" (24/ 74 - 75) ،"تفسير ابن كثير" (4/ 83) ، وكتاب"في ظلال القرآن"لسيد قطب (5/ 3085) .