أرواح المؤمنين قُبيل قيام الساعة، ولا يعارض هذا الأصل أن يضعف المسلمون في زمان معيَّن، أو مكان معيَّن، فيسلَّطَ عليهم عدوُّهُم؛ لأن هذا أصل آخر يقابل الأصل الأوَّل، وهو أن المسلمين إذا تركوا الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ سَلَّطَ الله عليهم الذُّلَّ [1] .
ولكن ترك المسلمين للجهاد، واشتغالهم بالدُّنيا، ومن ثم تسليط الذلِّ عليهم، وإن وقع؛ إلا أنه لا يمكن أن يستمرَّ ويدوم، وهذا مقتضى ما وعَدَ اللهُ ورسوله، وصدق الله ورسوله.
ومن الخطأ إن ينظر المرءُ إلى فترة محدَّدة من الزمان، ثم يستشكل تطبيق الحديث عليها، بل عليه أن يمدَّ نظره إلى الماضي، وإلى المستقبل.
فأما النظر إلى الماضي؛ فيفيد أن الفترات التي ظهر الكفار فيها على المسلمين كانت محدودة مؤقَّتة، وسرعان ما تهبُّ الطائفة المنصورة؛ لترفع الذُّلَّ الذي حاق بالمسلمين، وتُلْحقَ بالأعداء الهزيمة والنكال.
ومهمة الطائفة المنصورة -كما قدَّمتُ- هي استمرار القيام بالجهاد، وإن تخلَّت عنه عامَّة الأمة، فإن كان ثمَّة عقبات وموانع تحول دونه؛ كانت مهمَّتُها العملَ على تهيئة الأسباب؛ لإعلان الجهاد، وإزالة العقبات، وتذليلها.
وأما النظر للمستقبل؛ فيؤكِّدُ أنَّ لهذا الدين جولات قادمة منتصرة، وأن حالة الاستضعاف والذِّلة التي يعانيها المسلمون اليوم لا يمكن أن تدوم.
وإنَّ من سنَّة الله مداولة الأيام بين الناس، وابتلاء بعضهم ببعض، ومَن يدري ما الذي سيحدث في مقبلات الأيام؟
(1) كما في حديث ابن عمر السابق:"إذا تبايعتم بالعينة ...".