الصفحة 280 من 583

إنه لمن القريب المعقول أن يكون اجتماع اليهود -مثلًا- في فلسطين، وعتوُّهم، وفسادُهم، وتوسُّعُهم، وتواطؤ القوى العالمية والدول الدائرة في فلكها معهم؛ إنما هو تحضيرٌ وتمهيدٌ للوعد النبويِّ القاطع بقتال اليهود وقتلهم.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"تقاتلُكُم اليهود، فَتُسَلَّطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهوديُّ ورائي فاقْتُلْهُ" [1] .

ثانيًا: أن الظهور على العدو، وقهره، والانتصار عليه؛ أمرٌ نسبيٌّ، وليس يعني -بالضرورة- الغلبة المطلقة عليه، بل إن الحيلوله بينه وبين كثير مما يريد، وإحباط مخطَّطاته، أو بعضها، والامتناع عنه، وإلحاق الضرر به، هي من أنواع الغلبة عليه، ولا شكَّ أن هذا متحقق على الدَّوام، فلم تخلُ الأمَّة من هذه الطائفة المدافعة في ميدان الفكر والعلم، وفي ميدان الإصلاح الاجتماعي، وفي ميدان الحكم والتشريع، بل وفي ميدان الحرب والقتال في كثير من الأحيان.

وإلا؛ فمن المعلوم أن الأنبياء جميعًا عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم عبر القرون كانوا يجهدون، ويحزنون، وتصيبهم اللأواء، ويتعرَّضون للهزيمة، وقد يظهر عليهم العدوُّ في بعض الفترات؛ كما في حديث خباب رضي الله عنه، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لقد كانَ مَن قبلَكُم يُمَشَّطُ بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه" [2] .

وهذه الطائفة الموعودة بالنصر تقدَّم في الروايات أنها تلقى التكذيب [3] ، والمخالفة [4] ، والمناوأة [5] ، والخذلان [6] ، واللأواء [7] ،

(1) رواه البخاري في: 56 - كتاب الجهاد، 94 - باب قتال اليهود، (3/ 232) .

وفي: 61 - كتاب المناقب، 25 - باب علامات النبوة في الإسلام، (4/ 175) بهذا اللفظ.

-ومسلم في: 52 - كتاب الفتن وأشراط الساعة، 18 - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، برقم (81) ، وأيضًا (79و80) ، (4/ 2238) .

-والترمذي في: 34 - كتاب الفتن، 56 - باب ما جاء في علامة الدجال، برقم (2236) ، (4/ 508) ، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".

-وأحمد في"المسند" (2/ 130و135و149) .

-وأبو عمرو الداني في"السنن"، باب ما جاء في قتال هذه الأمة أهل الأديان المختلفة، (ل:66/أ) .

-وله شواهد عدة:

أولًا: عن أبي هريرة بمعناه.

-رواه البخاري في: 56 - كتاب الجهاد، 94 - باب قتال اليهود، (3/ 232) .

-ومسلم في: 52 - كتاب الفتن، 18 - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، برقم (82) ، (4/ 2239) .

-وأحمد: (2/ 417) .

-وأبو عمرو الداني في"السنن" (ل:65 /ب) .

ثانيًا: عن أبي أمامة - ضمن حديث طويل:

-رواه ابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 33 - باب فتنة الدجال، برقم (4075) ، (2/ 1356) .

ثالثًا: عن سمرة بن جندب ضمن حديث طويل.

-رواه أحمد في"المسند" (5/ 16) .

-وقال ابن حجر:"بإسناد حسن"،"الفتح" (6/ 610) .

رابعًا: عن حذيفة:

-رواه ابن منده في كتاب"الإيمان": 103 - ذكر وجوب الإيمان بخروج الدجال، برقم (1033) ، (2/ 939) .

-وقال ابن حجر:"بإسناد صحيح"."الفتح" (6/ 610) .

(2) سبق تخريجه في الرسالة الأولى من هذه السلسلة، الفصل الثاني، موضوع: الاضطهاد والتعذيب.

(3) كما في حديث معاوية:"لا يضرُّهم من كذَّبهم".

(4) كما في حديث معاوية وعبد الرحمن بن شماسة المهري وأبي هريرة وأبي أمامة، وفيها:"لا يضرهم من خالفهم"، وفي مرسل محمد ابن كعب:"لا يبالون من خالفهم".

(5) كما في حديث عمران بن حصين، ومرة بن كعب البهزي، وفيهما:"ظاهرين على من ناوأهم".

(6) كما في حديث ثوبان، وقرة بن إياس، وفيهما:"لا يضرهم من خذلهم".

(7) كما في حديث أبي أمامة:"لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت