وَضِعْفَ الممَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصيرًا) [1] .
ولابد -أيضًا- من الصبر باحتمال الأذى الذي يلقاه المجاهد في سبيل الله، بحيث لا يخرجه أذى الكافرين والمنافقين والفاسقين والمخالفين عن سمته وطريقه المستقيم، ولا يستفزه أو يستخفه للانتقام والانتصار الأهوج الذي يخرج به وبدعوته عن منهجها الواضح الهادئ الرزين.
ولذلك قرن الله هذا بهذا في قوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذينَ لاَ يُوقنونَ) [2] .
إن التَّحديات التي يواجهها المسلم من أعدائه قد تُضعِفُ يقينه وإيمانه وحماسه لهذا الدين، وقد تُحْدث عنده استجابة عكسيَّة، فتدعوه إلى اندفاعٍ غير محمود، والصبر يعني السلامة من هذا وهذا.
وقد خَصَّ الله الطائفة المنصورة من الصبر بخصيصة ليست لغيرهم من أهل زمانهم، لاختياره لهم للإمامة والهداية، فالحال فيهم كما قال الله تعالى عن بني إسرائيل:
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [3] .
ولذلك قال سفيان بن عيينة رحمه الله [4] :"أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤوسًا" [5] .
ولهذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم بأنهم:
"ما يضرُّهم مَن كذَّبهم، ولا مَن خَالَفَهم" [6] .
و"لا يضرُّهم مَن خذلهم" [7] .
(1) الإسراء: 75.
(2) الروم: 60.
(3) السجدة: 24.
(4) هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، ولد سنة (107هـ) ، من العلماء الأتقياء الحكماء، حجَّ سبعين حجة، وتوفي سنة (198هـ) .
انظر:"التهذيب" (4/ 117) .
(5) نقله الفيروزآبادي في"بصائر ذوي التمييز" (3/ 380) .
(6) كما في حديث معاوية، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة.
(7) كما في حديث ثوبان، وقرة بن إياس.