كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، المجانبون لطريقة أهل البدعة، الملتزمون بالدليل في الاعتقاد والفقه، المستقيمون على الجادَّة في الخلق والعبادة والسلوك [1] .
وهم - بهذا - الفئة المقابلة لأهل الكلام -أيًّا كانت بدعتهم-، والفئة المقابلة لأهل الرأي -أعني: الذين يقدِّمون آراءهم، أو أقوال شيوخهم، على الدليل الصحيح، بحجة أن الدليل ظنَّي الثبوت، أو أن شيوخهم أعلم بالدليل ... أو بغير ذلك من الحجج الواهية [2] .
ولذلك عبَّر الإمام البخاري رحمه الله بقوله:"هم أهل العلم".
ومدلول العلم أوسع من مدلول الحديث، وإن كان الحديث قد يُطْلَق عليه (العلم) [3] .
فقد يكون الرجل من أهل السنة، ومن الطائفة المنصورة، ومن أهل العلم الذين يرابطون على ثغرات الإسلام، ويدافعون عنه، ولكنه ليس من أهل الحديث؛ بمعنى: المشتغلين به رواية ودراية، حتى عرفوا به، وأمثلة هذا كثيرة من المشتغلين بالتفسير، أو أصول الفقه، أو اللغة، أو الأدب، أو التاريخ، أو غيرها.
ولكنَّنا نجد في عبارة علي بن المديني نوعًا من التَّخصيص، إذ يفسِّر أهل الحديث بأنهم الذين يتعاهدون مذاهب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويذبُّون عن العلم، ويُبَلِّغون للناس سنن المرسلين.
وهذا تفسيرٌ للشيء ببعض أجزائه، فالطائفة المنصورة -بحسب الخصائص السابقة- أعم من ذلك ولا شك أن قومًا كهؤلاء الذين ذكرهم
(1) وذلك في آخر الفصل الأول، المتعلِّق بالفرقة الناجية.
(2) سبق ذلك في الموضع المشار إليه آنفًا.
(3) كما قال محمد بن سيرين:"إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم".
رواه مسلم في مقدمة"صحيحه" (1/ 14) .
وكما قال ابن المديني:"... ويذبون عن العلم ..."وسبق قريبًا.