الصفحة 296 من 583

السلام، ثم مع عيسى، حيث تقاتل الدَّجَّال، ولذلك قال الحافظ ابن حجر:"المراد بالذين يكونون ببيت المقدس: الذين يحصرهم الدَّجَّال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم، فيقتل الدَّجَّال، ويظهر الدين في زمن عيسى ..." [1] .

والأمر الثاني: أن معظم الأحاديث خلت من تقييد الطائفة المنصورة بالشام، وهذا يؤكِّد أن الطائفة المنصورة لا يلزم أن تكون في بلد واحد؛ بل الأقرب أن تكون في بلدان متفرقة، خاصة البلدان التي وردت الإشادة بها؛ كالجزيرة، واليمن، وغيرهما.

بل وفي سائر بلاد الإسلام؛ كما قال الإمام النووي:"ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين؛ بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض" [2] .

والأحاديث التي حدَّدت وجود الطائفة المنصورة بالشام؛ فإنما يُراد بها -والله أعلم- فترة تاريخية معيَّنة، هي التي تكون قبل قيام الساعة، حيث تدلُّ النصوص الكثيرة على أن معظم الأحاديث المتعلِّقة بالمهدي وعيسى بن مريم، ونحوهما من أشراط الساعة إنما تكون بالشام [3] .

كما أنه يحتمل أن يكون المقصود قتالهم للروم المذكور في الأحاديث [4] ، ثم للدَّجَّال، حتى يأتيهم أمر الله وهم بالشام، فيكون قوله:"وهم بالشام"؛ أي: حال إتيان الأمر، والله أعلم.

غربة الطائفة المنصورة:

يعرِّف العلماء الطائفة بأنها الجماعة تطيف بالشيء [5] .

قال ابن فارس:"ولا تكاد العرب تحدِّدها بعدد معلوم، إلا أن الفقهاء"

(1) "الفتح" (13/ 294) ، وانظر على سبيل المثال حديث أبي هريرة الآتي قريبًا.

(2) "شرح النووي" (13/ 67) .

(3) من هذه الأحاديث: حديث أبي هريرة:"لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق (موضعان بالشام) ، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُّوا؛ قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: ... والله لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذْ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدُّون للقتال، يسوُّون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته".

-رواه مسلم في: 52 - كتاب الفتن وأشراط الساعة، 9 - باب فتح القسطنطينية وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم، برقم (34) ، (4/ 2221) .

-ورواه أبو عمرو الداني في"السنن": باب ما جاء في خروج الروم (ل 113 - ب) .

-ورواه الحاكم في: كتاب الفتن والملاحم، (4/ 482) ، وقال:"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

-ومنها حديث ذي مخبر رضي الله عنه، وفيه:"فيرفع رجل من أهل الصليب الصليبَ، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين، فيقوم إليه، فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم، ويجتمعون للملحمة ...".

-رواه ابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 35 - باب الملاحم، برقم (4089) ، (2/ 1369) ، ونقل المعلق عن"الزوائد"أن إسناده حسن.

-وروى بعضه أبو داود في: 9 - كتاب الجهاد، 168 - باب في صلح العدو، برقم (2767) ، (3/ 21) .

-وفي: 31 - كتاب الملاحم، 1 - باب ما يذكر في قرن المئة، برقم (4292) ، (4/ 481) .

-ورواه الحاكم في: كتاب الفتن و الملاحم، (4/ 420) ، وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

(4) انظر الحاشية السابقة.

(5) انظر:"معجم مقاييس اللغة"لابن فارس، (3/ 432) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت