والمفسِّرين يقولون فيها مرة: إنها أربعة فما فوقها، ومرة: إن الواحد طائفة. ويقولون: هي الثلاثة، ولهم في ذلك كلام كثيرٌ، والعرب فيه على ما أعلمتُك، أن كل جماعة يمكن أن تحفَّ بالشيء، فهي عندهم طائفة، ولا يكاد هذا يكون إلا في اليسير" [1] ."
والطائفة المنصورة هي جماعة اتَّفقت على كلمة الحق، وتحقَّقت فيها الخصائص السابقة؛ من الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، ومنازلة أعدائه، وإن كانت متفرِّقة في البلدان، وإن كان لا يَعْرف بعضها بعضًا.
وهذه الطائفة تعيش أصنافًا من الغربة في الله.
فهي تعيش الغربة التي يعيشها المسلمون بين أهل الملل والأديان، إذ هي طائفة منهم، غربتهم غربة لها، وقلَّتهم قلة لها، وضعفهم ضعف لها.
وتعيش الغربة التي تعيشها الفرقة الناجية، إذ هما قريبٌ من قريب،
وبعضهما من بعض، فهي تعيش غربة فرقة واحدة بين ثنتين وسبعين فرقة.
وتعيش فوق هذا وذاك غربتها الخاصَّة بها، حيث تصدَّت لهذا العمل الجهادي العظيم، وأوقفت حياتها على رفع راية الإسلام في كل ميدان.
وهذه غربة مضنية، إذ إنه من الصعب على المرء أن يلتزم الطريق المستقيم، ويصبر على الحق في البيئات والأزمنة التي أطبق عليها الانحراف، فكيف له بأن يضيف إلى ذلك القيام بالدعوة، و معالجة الانحراف الواقع؟!
وغربة هؤلاء المجاهدين المنصورين تتفاوت تفاوتًا عظيمًا بين زمان وزمان، ومكان ومكان، وهذا التفاوت يكون لأسباب؛ منها:
(1) "معجم مقاييس اللغة" (3/ 432) ، وانظر:"تفسير الطبري" (18/ 68) .