الصفحة 299 من 583

فكلما ابتدعوا؛ اتسعت الشقة، وتضاعفت آلام الغربة التي تَلْقاها الطائفة المنصورة.

ولا شك أن بين هذه الأمور ترابطًا كبيرًا، فجهود تلك الطائفة هي من أسباب تمكينها، وكسر شوكة أعدائها، وتقريب الناس إلى السنة، وإزالة غربتها بينهم.

ومن حيث الجملة؛ فإنه كلما تباعد الزمان عن عهد النبوَّة استحكمت الغربة واشتدت؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أنس رضي الله عنه:"لا يأتي عليكُم زمانٌ إلاَّ الذي بعده شرٌّ منه، حتى تَلْقَوا ربَّكم" [1] .

وأشد أيام غربة هذه الطائفة هي الأيام التي تكون في آخر الزمان، حين يَدْرُسُ الإسلام كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثوب، حتى لا يُدْرَى ما صيام ولا صلاة ولا نُسُك؛ كما في حديث حذيفة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثوب، حتى لا يُدْرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، ولَيُسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: (لا إله إلا الله) ، فنحن نقولها".

فقال له صلة [2] : ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم ردَّها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرِض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة! تنجيهم من النار؛ ثلاثًا [3] .

(1) رواه البخاري في 92 - كتاب الفتن، 6 - باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شرٌّ منه، (8/ 89) .

-والترمذي في: 34 - كتاب الفتن، 35 - باب، رقم (2206) ، (4/ 492) .

-والدارمي في: المقدمة، 22 - باب تغير الزمان وما يحدث فيه، (رقم 194) ، (1/ 58) .

-وأحمد في"المسند": (3/ 132و177و179) .

-والطبراني في"المعجم الصغير": باب من اسمه علي، (1/ 192) .

-والخطيب في"تاريخ بغداد": في ترجمة حامد بن محمد الرفا الهروي، ورقمها (4286) ، (8/ 173) .

(2) صلة هو ابن زفر -كما في رواية الحاكم-، يروي عن حذيفة، وعمار، وابن مسعود، وغيرهم، كان من الثقات الأثبات، مات في ولاية مصعب بن الزبير.

انظر:"التهذيب" (4/ 437) .

(3) الحديث جاء عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعًا وموقوفًا.

-فرواه ابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 14 - باب ذهاب القرآن والعلم، برقم (4049) ، (2/ 1344) ، من طريق علي بن محمد، حدثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، به.

-وعلي بن محمد: هو ابن إسحاق بن أبي راشد الطنافسي: ثقة.

انظر:"التهذيب" (7/ 378) ،"التقريب" (2/ 23) .

-وأبو معاوية: هو محمد بن خازم - بالخاء المعجمة - الضرير، قال فيه الذهبي:"ثقة، ثبت، ما علمت فيه مقالًا يوجب وهنه مطلقًا"، وقال ابن حجر:"ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في غيره".

"الميزان" (3/ 533 و4/ 575) ،"التهذيب" (9/ 137) ،"التقريب" (2/ 157) .

-وأبو مالك الأشجعي: هو سعد بن طارق الكوفي: ثقة.

انظر:"التهذيب" (3/ 472) ،"التقريب" (1/ 287) .

-وربعي بن حراش -بالحاء المهملة- تابعي ثقة.

انظر:"التهذيب" (3/ 236) ،"التقريب" (1/ 243) .

-فالإسناد صحيح، ورجاله ثقات.

-قال البوصيري:"إسناده صحيح، رجاله ثقات، رواه مسدَّد في"مسنده"عن أبي عوانة، عن أبي مالك؛ بإسناده ومتنه ...".

"مصباح الزجاجة" (4/ 194) .

-وقال ابن حجر:"... بسند قوي".

"الفتح" (13/ 16) .

-والحديث رواه الحاكم من طريق الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، وفيه تكرار حذيفة لقوله:"تنجيهم"مرتين: كتاب الفتن والملاحم، (4/ 545) ، وقال:"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

-ورواه أيضًا من طريق أبي بكر بن الحفيد، عن أبي كريب، عن أبي معاوية، (4/ 473) ، وقال:"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".

-ورواه من طريق أحمد بن عبد الله المزني، حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضل، حدثنا أبو مالك الأشجعي ... بنحوه موقوفًا، (4/ 505) ، وقال:"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".

-ورواه اللالكائى في"شرح أصول الاعتقاد"، سياق ما دّل من الآيات على أن القرآن تكلَّم الله به على الحقيقة، من طريقين عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا الحسن ابن عرفة، قال: حدثنا خلف -يعني ابن خليفة-، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة موقوفًا، وليس فيه كلام صلة وما بعده: (رقم577) ، (2/ 346) .

-ورواه ابن منده في كتاب"التوحيد": بيان ما يدل على أن المحفوظ في الصدر هو القرآن ... ، من طريق فضيل بن سليمان -كذا في المطبوع-، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة بن اليمان، ولم يذكر لفظه؛ بل أحال على لفظ حديث أبي هريرة الآتي رقم الحديث (357) ، (2/ 327) .

-ورواه أبو عمرو الداني في كتاب"السنن الواردة في الفتن"، باب ما جاء أن الإسلام يدرس ويذهب، (ل: 57/ب-58/أ) من طريق إسحاق بن أبي يحيى، عن سعيد بن طارق -كذا-، عن زر، عن حذيفة، موقوفًا.

-وحديث أبي هريرة يصلح شاهدًا لحديث حذيفة، وهو ما رواه الحاكم؛ قال: حدثنا علي بن عيسى بن إبراهيم، حدثنا مسدَّد بن قطن، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"يُسْرى على كتاب الله، فيرفع إلى السماء، فلا يصبح في الأرض آية من القرآن، ولا من التوراة والإنجيل ولا الزبور، وينتزع من قلوب الرجال، فيصبحون لا يدرون ما هو؟".

"المستدرك": كتاب الفتن والملاحم (4/ 506) ، وقال:"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

-ورواه ابن منده في كتاب التوحيد مرفوعًا عن أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة ... بلفظ مختلف: بيان ما يدل على أن المحفوظ في الصدور هو القرآن، برقم (357) ، (2/ 327) .

-وروى ابن عدي في"الكامل"عن أبي هريرة نحوه بلفظ وإسناد مختلفين، في: ترجمة أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، (1/ 188) .

-وله شاهد موقوف صحيح جاء من طرق عن ابن مسعود رضي الله عنه بمعناه.

-رواه عبد الرزاق في"مصنفه": كتاب فضائل القرآن، باب تعاهد القرآن ونسيانه، برقم (5980 و2981) ، (3/ 362) .

-والدارمي في: كتاب فضائل القرآن، 4 - باب في تعاهد القرآن، برقم (3344 و3346) ، (2/ 315) .

-والطبراني في: ترجمة عبد الله بن مسعود، ورقمها (772) ، رقم الحديث (8698 و8700) ، (9/ 153) .

-وقال الهيثمي:"... ورجاله رجال الصحيح، غير شداد بن معقل، وهو ثقة"."المجمع" (7/ 52) .

-وقال ابن حجر:"وسنده صحيح، ولكنه موقوف"."الفتح" (13/ 16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت