فأفعل، ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرُّ له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفعْ رأسك، وقُلْ يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشفع تُشَفَّعْ. فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: (لا إله إلا الله) . فيقول: وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجَنَّ منها من قال: (لا إله إلا الله) ..."الحديث [1] ."
فإذا جمعنا هذه الأحاديث الأربعة: حديث حُذيفة، مع حديث الطائفة المنصورة، مع حديث أنس وما أشبهه من أحاديث الشفاعة، مع حديث عبد الله بن عمرو في قبض أرواح المؤمنين؛ تبيَّن أنه يبقى بعد هبوب الريح قومٌ في قلوبهم من الإيمان أدنى من مثقال حبَّة من خردل، وهم يقولون: (لا إله إلا الله) ، ولا يدرون ما صيام، ولا صلاة، ولا صدقة، ولا نسك، ومع ذلك تنجيهم (لا إله إلا الله) ؛ كما قال حذيفة رضي الله عنه فيخرُجون من النار برحمة أرحم الراحمين، ثم بشفاعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وإن مكثوا فيها ما مكثوا.
وهم بهذا يختلفون عن الذين قال فيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم في آخر حديث الشفاعة الذي رواه أنس رضي الله عنه:"ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا مَن حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود" [2] .
وبهذا الجمع يندفع التعارض المتوهَّم بين النصوص، والله أعلم.
وإذا كانت هذه الطائفة ممَّن لم يَقْنَع بصلاح نفسه فحسب؛ بل بذل وُسْعه وجهده؛ لإصلاح الناس، وحملهم على السنة؛ فإنهم حينئذ غرباء بين الغرباء!
وفي ذلك يقول الحافظ ابن رجب:"وهؤلاء الغرباء قسمان:"
(1) رواه البخاري في: 97 - كتاب التوحيد، 36 - باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، (8/ 200 - 202) .
-ومسلم في: 1 - كتاب الإيمان، 84 - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم (326) ، (1/ 182 - 184) .
-وغيرهما.
-وله شواهد كثيرة عن أبي سعيد الخدري، وجابر، وأبي هريرة، وغيرهم.
(2) رواه البخاري في: 65 - كتاب التفسير، 2 - سورة البقرة، 1 - علم آدم الأسماء كلها، (5/ 146 - 147) .
-ومسلم في: 1 - كتاب الإيمان، 84 - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم (322و324) ، (1/ 180 - 182) .