الصفحة 311 من 583

واقترن به ذكر الخيل التي عُقِد في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهي رمزٌ للجهاد في سبيل الله، ولا يعني هذا أن الحديث ليس على الحقيقة؛ بل إنه يدل بظاهره -مع هذا- على أن الناس سيعودون إلى الحرب بالسلاح القديم، ويحتاجون في حربهم إلى الخيل، وإلى ما شاكلها من الوسائل، وأن الملاحم الكبرى التي تسبق الساعة إنما تكون بالسيوف والخيول ونحوها؛ كما في حديث أبي هريرة وغيره في ذكر الملاحم [1] .

كما اقترن به ذكر الأقوام الذين يُزيغ الله قلوبهم، فيقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم.

وهذا يبيِّنُ أنَّ ثمَّة فرقًا بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وأن الطائفة المنصورة تأخذ بالجد والعزيمة، في حين تأخذ بقيَّة الفرقة الناجية بالرخصة، وأن الطائفة المنصورة تقوم بفروض كفاية؛ في الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وإقامة الحجة على العالَمين، وحينئذ لا يكون من اشتغل بغير هذه الفروض، من التعبُّد، أو طلب الحلال، أو غير ذلك، مقصِّرًا ملومًا؛ إلا حين يُحتاج إليه في مؤازرة تلك الطائفة ودعمها، ولكنَّه لا يكون من هذه الطائفة؛ لأن كلمة (طائفة) تدلُّ بمعناها اللغوي على أن هذه الفئة أطافت بشيء واحتمعت حوله، وما هذا الشيء إلا القوامة على الحق، والسهر على حفظة وحمايته، والذب عنه، إذ إن تعليق أحكامها على وصف معيَّن لا بدَّ أن يكون مرادًا مقصودًا، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يصفهم بالنجاة فحسب؛ بل لم يرِد وصفهم بالنجاة ألبتة في أحاديث الطائفة المنصورة السابقة، وإنما وُصِفوا بذلك في أحاديث الفرقة الناجية.

(1) سبق تخريج حديث أبي هريرة، وفيه:"فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علَّقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان ..."الحديث.

-وفي حديث ابن مسعود عند مسلم وغيره - أيضًا - في ذكر الملحمة الكبرى، وفيه بعد ذكر الصريخ:"فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ".

-مسلم: 52 - كتاب الفتن وأشراط الساعة، 11 - باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال، برقم (37) ، (4/ 2223) .

-ولا شك أن الأصل في هذه العبارات الحقيقة، وهكذا فهمها المخاطبون؛ لأن هذه معانيها في اللغة التي يعرفونها، والتي نزل بها القرآن، وجاء بها الشرع.

ونقلها عن حقيقتها إلى معنى مجازي هو خلاف الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت