الصفحة 33 من 583

والحديث يشير إلى انحراف الحياة البشرية عمومًا، وبالذات في الجوانب التالية:

1 -انحراف الأوضاع الدينية، سواء بردة الناس عن الدين، وخروجهم منه، أو عدم دخولهم فيه أصلًا، أو بتحريف الديانات السماوية وتبديلها، وذلك في قوله:"وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ..".

ويصرح بجانب مهم من جوانب هذا الانحراف، وهو الشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وقد كانت البشرية تعبد آلهة شتى مع الله أو من دون الله: الطوطم [1] ، والشمس، والقمر، والملائكة، والجن، والنار، والكواكب، والأشجار، والأحجار، والأنبياء، والصالحين .. الخ.

2 -انحراف الأوضاع التشريعية؛ حيث نبذوا شريعة الله وراءهم ظهريًّا، واخترعوا من عند أنفسهم أديانًا، وشرائع لم يأذن بها الله، فكانوا يحرمون على أنفسهم أنواعًا من الأموال، والأنعام؛ كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وينذرونها لآلهتهم المدعاة، ولهذا قال هنا:"كل مال نحلته عبدًا حلال .."، وقال:"وحرمت عليهم ما أحللت لهم".

3 -والانحراف - الذي هو قاصمة الظهر - هو فساد المصلحين من حملة الأديان السماوية، وممالأتهم للقوم على ضلالهم، وهذا يقطع دابر كل أمل في الإصلاح، ويدفع كل احتمال لتعديل أحوال الحياة الإنسانية، أو تحسينها.

ومهما يكن من انحراف الناس، وإيغالهم في الفساد، ومجانبتهم سبل الهداية؛ فإن وجود أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض، ويعلنون دعوة الحق صريحة في وضح النهار، دون تردد، ولا تلجلج، ولا هيبة من أحد؛ يعني تحقيق انتصار لهم في صورة من الصور، فهي مداولة بين الحق والباطل، وصراع بين الإسلام والكفر (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [2] .

(1) معبود من الحيوانات أو النباتات أو الأشياء المادية أو الظاهرات الطبيعية.

انظر: الموسوعة العربية الميسرة ص (1166) .

(2) سورة آل عمران، آية: 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت