الصفحة 34 من 583

لكن حين تخلو الحياة من هؤلاء - أو تكاد - فلا تجد إلا أفرادًا منعزلين عن الحياة، والتأثير فيها، ومدافعة انحرافاتها، ومنازلة أرباب الباطل وسدنته ... ، حين يقع هذا تحتاج البشرية إلى رسالة جديدة تحمل دين الله بقوة، وتقاتل في سبيله .. وهكذا كان. وإلى هذا المعنى يشير قوله صلى الله عليه وسلم:"وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ... وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء ... وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا ..." [1] .

(ب) وإذا كانت الأمم الموجودة على ظهر الأرض كلها بهذه الصورة؛ فإن الأمة العربية كان لها نصيب الأسد من ذلك كله.

فقد ابتليت بانحطاط ديني شديد، ووثنية سخيفة لا نظير لها، وأمراض خلقية واجتماعية متمكنة، وفوضى سياسية وتشريعية، ومن ثم قل شأنهم، وصاروا يعيشون على هامش التاريخ، ولا يتعدون في أحسن الأحوال أن يكونوا تابعين أذلة للدولة الفارسية، أو الرومانية.

وقد امتلأت قلوبهم بتعظيم تراث الآباء والأجداد، واتباع ما كانوا عليه مهما يكن فيه من الزيغ، والانحراف، والضلال، ومن ثم عبدوا الأصنام، فكان لكل قبيلة صنم، فكان لهذيل بن مدركة: سواع، ولكلب: ود، ولمَذْحِج: يغوث، ولخيوان: يعوق، ولحمير: نسر، وكانت خزاعة وقريش تعبد إساف ونائلة، وهما رجل وامرأة من جُرْهُم فَجَرَا في الكعبة، فمسخا، فعبدوهما!!، وكانت مناة على ساحل البحر. تعظمها العرب كافة، والأوس والخزرج خاصة، وكانت اللات في ثقيف، وكانت العزى فوق ذات عرق، وكانت أعظم الأصنام عند قريش [2] .

وإلى جنب هذه الأصنام الرئيسة يوجد عدد لا يحصى كثرة من الأصنام الصغيرة والمؤقتة.

(1) جزء من حديث عياض بن حمار السابق.

(2) انظر: أثر ابن عباس في ذلك في: صحيح البخاري: 65 - كتاب التفسير سورة إنا أرسلنا، باب: ودًا، ولا سواعًا ولا يغوث، ويعوق: (6/ 73) .

وانظر: كتاب الأصنام لهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ص 9 - 19) .

وإغاثة اللهفان لابن القيم: (2/ 206 - 220) ، وبلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب لمحمود شكري الألوسي: (2/ 194 - 244) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت