الصفحة 35 من 583

روى البخاري في صحيحه عن أبي رجاء العطاردي قال:"كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو أَخْيَر ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه، ثم طفنا به!!" [1] !!.

وقد حالت هذه الوثنية الممقوتة بين العرب وبين معرفة الله، وتعظيمه، وتوقيره، والإيمان به، وباليوم الآخر، وأشربت قلوبهم تعظيم هذه الموروثات السخيفة، وإن زعموا أنها لا تعدو أن تكون وسائط بينهم وبين الله، وقد استأثرت هذه الآلهة المزعومة بقلوبهم، وأعمالهم وتصرفاتهم، وجميع جوانب حياتهم، وضعف شأن الله في نفوسهم. (( وَجَعَلُوا لله مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لله بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ لله فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ) [2] .

وحتى البقية الباقية من دين إبراهيم عليه السلام أصابها التحريف، والتغيير، والتبديل، فصار الحج موسمًا للمفاخرة، والمنافرة، والمباهاة، وتحولت بقايا المعتقدات الحنيفية إلى صورة باهتة واهنة ضعيفة ... وألصق بها من الخرافات والأساطير ما مسخها مسخًا، وقطعها عن أصلها الذي تنتسب إليه قطعًا.

وفي هذه البيئة الفاسدة المغرقة في الوثنية، المتشدده فيها؛ كان يوجد الفرد بعد الفرد من الحنفاء الذين يرفضون عبادة الأصنام، وما يتعلق بها من الأحكام، والنحائر، وغيرها.

ومن هؤلاء زيد بن عمرو بن نفيل، وكان لا يذبح للأنصاب، ولا يأكل الميتة والدم، وكان يقول:

أربًّا واحدًا أم ألفَ ربٍّ؟؟

أدينُ إذا تقسَّمتِ الأمور؟

(1) رواه البخاري في: 64 - كتاب المغازي، 70 - وفد بني حنيفة (5/ 119) .

(2) سورة الأنعام: آية رقم 136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت