الصفحة 340 من 583

وذلك أنَّ الجهاد مرَّ بأربع مراحل رئيسة قبل أن يستقرَّ على حكمه النهائي، وهذه المراحل هي:

الأولى: مرحلة (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) [1] ، وهي تشمل العهد المكي كله، حيث كان المؤمنون غير مأذونين شرعًا بقتال الكفار؛ بل يجاهدون بالقرآن والدعوة السلمية.

الثانية: مرحلة (أُذِنَ للَّذينَ يُقاتَلونَ بأَنَّهُمْ ظُلِموا) [2] ، وهذا يعني رفع المرحلة الأولى التي كانوا مأمورين فيها بكف اليد؛ دون إيجاب أو فرض للجهاد عليهم، فكأنه كان جائزًا مباحًا لهم الدفاع عن أنفسهم؛ دون حتمٍ أو إلزام.

الثالثة: مرحلة (وقاتِلُوا في سَبيلِ اللهِ الَّذينَ يُقاتِلونَكُم) [3] ، وفيها أُلزم المسلمون بقتال من قاتلهم؛ دون من لم يقاتلهم؛ فهي مرحلة جهاد دفاعي لمن ابتدأ المسلمين بالقتال، وقد يغدو الهجوم ضرورة من ضرورات الدفاع.

ولعل ممَّا يدخل في هذه المرحلة ما رواه عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال:"وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا. فقلت: إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وابعث جيشًا نبعث عشرة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك" [4] .

الرابعة: مرحلة (وقَاتِلُوا المُشْرِكينَ كَافَّةً كما يُقاتِلونَكُمْ كَافَّةً) [5] ، وهي مرحلة إيجاب القتال لجميع الكفار، مع البداءة بمن يلي المسلمين منهم؛ كما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث بدأ بقتال العرب قبل غيرهم، والبداءة بالأدنى هي معنى قوله تعالى: (يَا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا قَاتِلوا الَّذينَ

(1) النساء: 77، وسبق تخريج حديث ابن عباس في سبب نزول الآية.

(2) الحج: 39، وسبق بيان ذلك في الموضع السابق نفسه من الكتاب الأول.

(3) البقرة: 190.

(4) رواه مسلم، وأحمد، والبيهقي، وغيرهم. وسبق تخريجه في الفصل الأول من الكتاب الأول في الحديث عن انحراف البيئة العربية.

(5) التوبة: 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت