الصفحة 341 من 583

يَلونَكُمْ مِنَ الكُفَّار) [1] .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح مراحل الجهاد:"... فكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر مأمورًا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده؛ فيدعوهم، ويعظهم، ويجادلهم بالتي هي أحسن، ويجاهدهم بالقرآن جهادًا كبيرًا، قال تعالى في سورة الفرقان - وهي مكية: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنا في كُلِّ قرْيَةٍ نَذيرًا فَلا تُطِِعِ الكَافِرينَ وجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبيرًا) [2] ، وكان مأمورًا بالكفِّ عن قتالهم؛ لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك."

ثم لما هاجر إلى المدينة، وصار له بها أعوان؛ أُذن له في الجهاد.

ثم لما قووا؛ كتب عليهم القتال، ولم يكتب عليهم قتال مَن سالمهم؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار.

فلما فتح الله مكة، وانقطع قتال قريش ملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام؛ أمره الله تعالى بقتال الكفاركلهم؛ إلا من كان له عهد مؤقَّت، وأمره بنبذ العهود المطلقة ..." [3] ."

فالأمر الذي استقرَّ عليه التشريع هو إيجاب القتال على المسلمين لعموم الكفار حتى يسلموا، أو يذعنوا للحكومة الإسلامية: ببذل الجزية، وعدم فتنة الناس في دينهم، وعدم إعانة الكافرين على المسلمين.

وهذا الجانب المستقرّ الذي آل إليه الأمر واستقرَّ عليه الحكم من إيجاب الجهاد على عموم المسلمين: يُقصَد به الفرض الكفائي على المجموع، والذي يسقط بأن يقوم به من يكفي، ويصبح في حق الباقين سُنَّة.

(1) التوبة: 123، وانظر:"الدر المنثور" (4/ 324) .

(2) الفرقان: 52.

(3) "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" (1/ 74) ، وانظر:"الفتاوى" (28/ 349) ، وكلامًا مشابهًا له في"الأم"للشافعي (4/ 168 - 169) ، و"أحكام القرآن"له (2/ 9 - 20) ، و"مقدمات ابن رشد" (1/ 261 - 262) ، و"زاد المعاد" (3/ 5 و69 - 72) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت