الصفحة 342 من 583

وهذا هو الرأي المشهور عند العلماء، حتى قال ابن عطية رحمه الله:"... استمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين؛ يسقط عن الباقين ..." [1] .

وقد أشار ابن حجر إلى وجوب الجهاد - بالمعنى الأعم - وجوبًا عينيًّا، فقال:"والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفار متعيِّن على كل مسلم: إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه" [2] .

وقد وردت نصوص نبويَّة تدلُّ على وجوب الجهاد - بمعناه العام - وفرضيته على كل مسلم، وهي نصوص كثيرة، أكتفي منها بذكر حديثين يدلاَّن دلالة صريحة على الوجوب؛ إضافة إلى حديث أنس السابق:

فمنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه؛ مات على شعبة من نفاق" [3] .

وإنما أشبه هذا التارك للغزو التارك تحديث نفسه فيه المنافقين؛ لأن ترك الخروج للجهاد في سبيل الله من سيماهم؛ فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق [4] .

وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال:"من لم يغزُ أو يجهِّز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعة". قال يزيد بن عبد ربه [5] في حديثه:"قبل يوم القيامة" [6] .

وليس بين الحديثين تعارض، فلا يُقال: إن في الحديث الأول وعيدًا على مَن لم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد، في حين أن الوعيد في الحديث

(1) "المحرر الوجيز" (2/ 43) .

(2) "فتح الباري" (6/ 38) .

(3) روى هذا الحديث:

-مسلم في (23 - كتاب الإمارة، 47 - باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، رقم 158، 3/ 1517) .

-وأبو داود في (9 - كتاب الجهاد، 18 - باب كراهية ترك الغزو، رقم 2502، 3/ 22) .

-والنسائي في (24 - كتاب الجهاد، 2 - التشديد في ترك الجهاد، 6/ 8) .

-وأحمد في"المسند" (2/ 374) .

-وأبو عوانة في (كتاب الجهاد، باب بيان عقاب من مات ولم يغز، 5/ 84) .

-والحاكم في (كتاب الجهاد، 2/ 79) ؛ من طرق، وقال:"هذا حديث كبير لعبد الله بن المبارك، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

-والبيهقي في (كتاب السير، باب النفير وما يستدلُّ به على أن الجهاد فرض على الكفاية، 9/ 48) .

(4) انظر:"شرح النووي على مسلم" (13/ 56) .

(5) هو أحد شيخي أبي داود في هذا الحديث، وهو الزبيدي، أبو الفضل الجرجسي، وهو ثقة.

انظر: التهذيب (11/ 344) ؛ التقريب، (2/ 367) .

(6) روى هذا الحديث:

-أبو داود في (9 - كتاب الجهاد، 18 - باب كراهية ترك الغزو، رقم 2503، 3/ 22) .

-وابن ماجة في (24 - كتاب الجهاد، 5 - باب التغليظ في ترك الجهاد، رقم(2762، 2/ 923) .

-والدارمي في (16 - كتاب الجهاد، 26 - باب فيمن مات ولم يغز، رقم 2423، 2/ 128) .

-والطبراني في"الكبير" (ما أسند أبو أمامة، القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، رقم 7747، 8/ 211) .

-والبيهقي في"السنن" (كتاب السير، باب النفير، 9/ 48) .

-وابن عساكر في"الأربعون في الحث على الجهاد" (الحديث العشرون، ص 84) ، وذكر في أوله قصة؛ قال:"... قال الوليد: ومرَّ بي يحيى بن الحارث، فقال: إنا قد أردنا الخروج إلى هذا الوجه؛ فهل من فرس يستمتع بها في سبيل الله؛ فإني سمعت القاسم بن عبد الرحمن يقول: سمعت أبا أمامة يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (فذكره) ".

ومدار الحديث: على الوليد بن مسلم عن يحيى بن الحارث الشامي عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة.

-... والوليد بن مسلم: ثقة، يدلس تدليس التسوية؛ كما سبق مرارًا، فيلزم تصريح جميع من فوقه بالسماع؛ ليعلم اتصال السند.

-... ويحيى بن الحارث: هو الذماري، الغساني، أبو عمرو الشامي، القارئ، ثقة.

انظر:"التهذيب" (11/ 193) ،"التقريب" (2/ 344) .

-والقاسم: هو ابن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن الدمشقي؛ قال الذهبي وابن حجر:"صدوق"

-... انظر:"التهذيب" (8/ 322) ،"الكاشف" (2/ 377) ،"التقريب" (2/ 118) .

* وقد صرَّح جميع من فوق الوليد بالتحديث؛ كما في رواية ابن عساكر، وقد سقت المقصود منها، ورجال الإسناد عنده ممَّن دون الوليد ثقات، وهم:

-... أبو سهل محمد بن إبراهيم بن سعدويه.

انظر:"المنتظم" (10/ 63) ،"التحبير في المعجم الكبير"للسمعاني (2/ 55) .

-أبو الفضل الرازي، وهو: عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن العجلي.

انظر:"معرفة القراء الكبار"للذهبي (1/ 417) ، و"العبر" (2/ 302) .

-... جعفر بن عبد الله الرازي: أبو القاسم.

انظر:"التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد"لابن نقطة (1/ 270) ،"شذرات الذهب"لابن العماد الحنبلي (3/ 104) .

-... ومحمد بن هارون: أبو بكر الروياني، صاحب"المسند".

انظر:"التقييد" (1/ 119) ،"تذكرة الحفاظ" (2/ 752)

-... وعلي بن سهل الرملي.

انظر:"التهذيب" (7/ 329) ،"الكاشف" (2/ 249) .

* وقد روى الحديث عن الوليد عددٌ من الثقات؛ منهم:

-... يزيد بن عبد ربه الجرجسي: عند أبي داود، وسبقت ترجمته.

-... وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير القرشي، أبو حفص الحمصي: عند أبي داود والطرباني والبيهقي؛ كما تقدم.

وانظر ترجمته في:"التهذيب" (8/ 76) ،"التقريب" (2/ 74) .

-وهشام بن عمار: عند ابن ماجه، وسبقت ترجمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت