الصفحة 343 من 583

الآخر على مَن لم يجاهد أو يساعد المجاهدين، فيشمل الوعيد هنا مَن حدث نفسه بالجهاد.

لا يقال هذا؛ لأن من حدَّث نفسه بالجهاد يكون شبيهًا بمَن جاهد من بعض الوجوه.

ويقال من وجه آخر: إن الجمع بين الأحاديث واجب، فيكون الوعيد من مجموعهما على من لم يجاهد، ولم يساعد مجاهدًا، ولم يحدث نفسه بذلك.

وقد يُحمل قوله صلى الله عليه وسلم -في الحديث الأول-:"ولم يحدث نفسه بالغزو"؛ على ما إذا كان غير قادر على الغزو؛ كحال العاجز والمريض، وكما إذا كان الجهاد معطَّلًا؛ كحال الناس اليوم، والله تعالى أعلم.

وقد دلَّ الدليل على صرف هذه الأدلَّة وغيرها مما يماثلها أو يشبهها في إيجاب الجهاد من الوجوب العيني إلى الوجوب الكفائي، كما في قوله تعالى: (ومَا كَانَ المُؤمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍٍ مِنْهُمْ طائفةٌ ليَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُم إذا رَجَعوا إليهِمْ لَعَلَّهُِمْ يَحْذَرونَ) [1] .

قال الإمام الطَّبري بعد سرد الأقوال في الآية:"وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب: أن يُقال: تأويله: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهاد وغير ذلك من أمورهم، ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدًا ..." [2] .

(1) - وغيرهم.

فالحديث بهذا الإسناد حسن؛ لحال القاسم بن عبد الرحمن.

(36) التوبة: 122.

(2) "تفسير الطبري" (11/ 70) ، وانظر:"الدر المنثور" (4/ 322) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت