وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لحيان:"ليخرج من كل رجلين رجلٌ"، ثم قال للقاعد:"أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير؛ كان له مثل نصف أجر الخارج" [1] .
فدلَّ على أن مباشرة قتال الكفار ليست واجبًا متعيِّنًا على جميع المسلمين، وإلا؛ لما قرن بينه وبين أنواع الجهاد الأخرى؛ كالجهاد بالمال ورعاية مصالح المباشرين للقتال، ولما أمر بخروج رجل من كل رجلين؛ بل ألزمهم جميعًا.
ولذلك بوَّب الإمام أبو داود على هذا الحديث بقوله:"باب ما يجزئ من الغزو"، وكأنه ذهب إلى معنى:"مَن خلف غازيًا في أهله بخير؛ فقد غزا" [2] ، فخلافته الغازي في أهله بخير تجزؤه من الغزو.
وهذا لا ينفي أن يكون ثمَّة حالات يجب فيها الجهاد وجوبًا عينيًّا، وهذه الحالات هي موضوع الفقرة التالية.
حالات وجوب الجهاد عينيًّا:
وهناك حالات يكون الجهاد فيها واجبًا وجوبًا عينيًّا على الأحرار المستطيعين من المكلَّفين، وهي:
1 -إذا أعلن النفير العام: أي: إذا استنفر الإمام المسلمين أو جماعاتٍ أو أفرادًا منهم؛ لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلمقال يوم الفتح:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيَّة، وإذا استُنْفِرْتُم؛ فانْفِروا" [3] .
(1) روى هذا الحديث:
-مسلم في (33 - كتاب الإمارة، 38 - باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، رقم 137 و138، 3/ 1507) .
-وأبو داود في (9 - كتاب الجهاد، 21 - باب ما يجزئ من الغزو، رقم 2510، 3/ 36) .
-وأحمد في"المسند" (3/ 15 و55) .
-وأبو عوانة في (كتاب الجهاد، بيان السنة في بعث الإمام رعيته في الغزو إذا احتاج إليهم، 5/ 67 - 69) من طرق، وفي بعضها: و"الأجر بينهما"، وفي بعضها:"كان له مثل أجر الخارج"، قال أبو عوانة:"كذا وقع إِليَّ".
-والحاكم في (كتاب الجهاد، 2/ 82) ، وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرِّجاه بهذا اللفظ"، وتعقبه الذهبي بقوله:"صحيح، أخرجه مسلم".
(2) سيأتي تخريجه في فضل الجهاد بالمال.
(3) روى هذا الحديث:
-البخاري في (56 - كتاب الجهاد والسير، 1 - باب فضل الجهاد والسير، 3/ 200) وفي (27 - باب وجوب النفير، 3/ 210) ، وفي (194 - باب لا هجرة بعد الفتح، 4/ 38) ، وفي (28 - باب جزاء الصيد، 10 - باب لا يحل القتال بمكة، 2/ 214) ، وفي (58 - كتاب الجزية والموادعة، 22 - باب إثم الغادر للبر والفاجر، 4/ 72) .
-ومسلم في (33 - كتاب الإمارة، 20 - باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، رقم 85، 3/ 1487) ، وفي ... (15 - كتاب الحج، 82 - باب تحريم مكة، رقم 445، 2/ 986) ؛ ضمن حديث طويل.
-وأبو داود في (9 - كتاب الجهاد، 2 - باب في الهجرة هل انقطعت؟ رقم 2480، 3/ 8) .
-والترمذي في (22 - كتاب السير، 33 - باب ما جاء في الهجرة، رقم 1590، 4/ 148) ، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".
-والنسائي في (39 - كتاب البيعة، 15 - ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة، 7/ 146) ، وفي الكبرى" (50 - كتاب السير، 84 - انقطاع الهجرة، ل 116 ب) ."