وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟! إنكارًا لذلك وإعظامًا له.
قال موسى [1] : حدثني سالم بن عبد الله [2] ، ولا أعلمه إلا تحدث به عن ابن عمر، أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لَعَلّي أن أدين دينكم، فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله! قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا، ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا الله.
فخرج زيد، فلقي عالمًا من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله! قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه شيئًا أبدًا وأنا أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا، ولا نصرانيًا، ولا يعبد إلا الله.
فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم أني أشهدك أني على دين إبراهيم.
وقال الليث [3] :كتب إلى هشام [4] عن أبيه [5] عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت:"رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معاشر قريش! والله ما منكم على دين إبراهيم غيري!، وكان يحيي الموءودة؛ يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها" [6] .
(1) هو ابن عقبة صاحب المغازي، الإمام الفقيه، مات سنة (141) . انظر: التهذيب (10/ 360) ، والتقريب: (2/ 286) .
(2) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمرو، أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، يشبه بأبيه في الهدي والسمت، مات في سنة (106) . انظر: التهذيب (3/ 436) ، التقريب (1/ 280) .
(3) هو: الليث بن سعد، الإمام الثقة الفقيه المشهور، المتوفى سنة (175هـ) ، انظر: التهذيب (8/ 459) ، التقريب (2/ 138) .
(4) هشام هو: ابن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلس، مات سنة (146) . انظر: التهذيب (11/ 48) ، التقريب (2/ 319) .
(5) أبوه هو: عروة بن الزبير المدني: أبو عبد الله، ولد في أواخر خلافة الفاروق رضي الله عنه ومات في سنة (94) ، وهو ثقة ثبت فقيه مشهور. انظر: التهذيب (7/ 180) ، والتقريب (2/ 19) .
(6) رواه البخاري في: 63 - كتاب فضائل الأنصار، 24 - حديث زيد ابن عمرو بن نفيل: (4/ 232 - 233) . وفي: 72 - كتاب الذبائح والصيد، 16 - باب ما ذبح على النصب والأصنام: (6/ 225) .
والإمام أحمد في مسنده: (2/ 69) .
والنسائي في الكبرى، كتاب المناقب - زيد بن عمرو بن نفيل (ل: 107 ب) .
وابن سعد في الطبقات الكبرى، في ترجمة سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل: (3/ 380) .