ولم يكن زيد بن نفيل وحيدًا في العرب؛ بل كان له نظراء قلائل من المؤمنين الموحدين السالكين منهج الرسل، المجانبين طرائق أهل الشرك [1] ، كما كان يوجد من اليهود والنصارى بقايا متمسكون بدينهم، كما أشار إليه حديث عياض.
ولكن هؤلاء وأولئك كانوا غرباء - بمعنى الغربة - في عالم مريج مضطرب منحل.
فكانت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم انتصارًا للحق الذي يحملون، وانتصارًا للمؤمنين المضطهدين من أصحاب الكتابين وغيرهم، وانتصارًا للرسل جميعًا - عليهم الصلاة والسلام-، وهذا جزء من معنى قوله تعالى: (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) ) [2] .
ولما بعث صلى الله عليه وسلم في قلب جزيرة العرب - معقل الشرك والوثنية - كان فردًا وحيدًا، يقف هو في صف، وتقف البشرية كلها في الصف الآخر، فكان غريبًا فردًا غرابة مطلقة، ولكن الفرق الهائل بين غربته صلى الله عليه وسلم، وبين غربة الحنفاء، وبقايا أهل الكتاب، أن هؤلاء كما سماهم في الحديث"بقايا"، فهم كأشعة الشمس الصفراء الباهتة قبيل غروبها، تكون في أعالي النخيل، والأبنية، لحظات يسيرة ثم تزول!
أما محمد صلى الله عليه وسلم فهو وإن كان أول أمره غريبًا، إلا أنه طليعة ميمونة للخير الكثير، والنصر المؤزر للحق والإسلام، فهو كأشعة الشمس المشرقة حين طلوعها، تحمل معنى النماء، والحياة، والتجدد، والبشرى، وما هي إلا لحظات حتى يملأ الخوافق ضوؤها، وزكاؤها.
ولهذا كان أولئك الموحدون في الجاهلية مستسلمين للأمر الواقع، مستيئسين من الإصلاح، غاية ما يفعل أحدهم أن يحفظ نفسه من عوائد الجاهلية، وشرائعها، وعقائدها، أو أن يلقي بكلمة في مجتمع، أو ناد، أو أن
(1) والبيهقي في دلائل النبوة - ذكر حديث زيد بن عمرو بن نفيل (2/ 120 - 123) .
وله شواهد:
منها عن زيد بن حارثة:
عند النسائي في الكبرى الموضع السابق (ل: 107ب) .
ورواه ابن منده في التوحيد، ذكر استدلال من لم تبلغه الدعوة .. (1/ 323) .
ورواه الحاكم: (3/ 216) ، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
ومن طريقه البيهقي في الدلائل (2/ 124) .
2 -ومنها عن ابنه سعيد بن زيد عند البزار في الموضع السابق، وهو برقم (2754) ، (3/ 283) .
وعند الإمام أحمد في المسند: (1/ 189) .
ونسبه الهيثمي في المجمع (9/ 417) ، كتاب المناقب - ما جاء في زيد بن عمرو، وابن حجر في الفتح (7/ 143) ، مناقب الأنصار، حديث زيد بن عمرو .. ، للطبراني وغيره، وقال الهيثمي: وفيه المسعودي وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات.
ورواه البيهقي في الدلائل في الموضع المشار إليه آنفًا (2/ 124) .
وانظر: هدي الساري: ص (51) ، والطبقات: (3/ 379) ، وتهذيب التهذيب: (3/ 421) ، والسيرة النبوية لابن كثير: (1/ 160 - 162) ، وفي هذه الشواهد فوائد عديدة منها ثبوت إيمانه والشهادة له بالخير.
وقول البخاري: قال موسى هو ابن عقبة، والخبر موصول بالإسناد المذكور كما في الفتح (7/ 144) ، وتغليق التعليق: (4/ 82) .
أما قوله: وقال الليث .. ، فهو معلق، رواه ابن سعد موصولًا في الموضع السابق المشار إليه (3/ 380) ، والنسائي في الكبرى في الوضع السابق المشار إليه (ل: 107ب) .
ونسبه ابن حجر في الفتح للفاكهي ... وأبي نعيم في المستخرج (7/ 145) .
ونسبه في تهذيب التهذيب للبغوي أيضًا وابن إسحق في السيرة: (3/ 422) .
(94) ... انظر: أسماءهم وأخبارهم في: المنمق لابن حبيب: ص (175) ، المعارف لابن قتيبة: ص (58 - 63) ، بلوغ الأرب: (2/ 24 - 286) (وهو أوفاها) ، وانظر: كتاب الشعراء الحنفاء للدكتور أحمد جمال العمري ص (85 - 110) ، وغيرها كثير.
(2) سورة غافر: آية 51.