الصفحة 511 من 583

حديث ابن عمر - رضيِ الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المسلم إذا كان مخالطًا الناس، ويصبر على أذاهم، خير من المسلم الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم" [1] .

ومنها ما رواه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَكَ، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" [2] .

وعن أبي إدريس الخولاني أنه قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى شاب براق الثنايا، وإذا الناس معه، إذا اختلفوا في شيء أسندوا إليه، وصدروا عن قوله، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل.

فلما كان الغد، هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله! فقال: آلله؟ فقلت: الله، فقال: آلله؟ فقلت: الله، قال: فأخذ بحبوة ردائي فجذبني إليه، وقال: أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"قال الله - تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين [3] فيَّ" [4] .

إلى أحاديث أخرى كثيرة.

وليس بين هذه الأحاديث تعارض؛ بل إنّ المتأمل لها يجد أن بعضها يكمل البعض الآخر، وأن مجموعها يكوّن الصورة الصحيحة المبينة لموقف الإسلام من قضية العزلة والخلطة، ويمكن ضبط جملة ذلك بالنقاط التالية:

(1) رواه الترمذى في: 38 - كتاب صفة القيامة، 55 - باب، برقم ... (2507) ، (4/ 662) . وقال: عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قال: قال أبو موسى (يعني محمد بن المثنى، شيخ الترمذي في هذا الحديث) : قال ابن أبي عدي: كان شعبة يرى أنه ابن عمر. وابن أبي عدي، هو شيخ محمد بن المثنى في هذا الحديث.

-وأحمد في المسند (3/ 43) .

-والبخاري في الأدب المفرد: (18 - باب الذىِ يصبر على أذى الناس برقم(388) ، (1/ 478) .

-وأبو داود الطيالسي في: ما أسند عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - برقم (1876) ، ص (256) .

-وابن أبي شيبة في المصنف: كتاب الأدب، 1032 - في مخالطة الناس ومخالفتهم، برقم (6271) ، (8/ 753) .

-والطبراني في: مكارم الأخلاق، باب فضل الصبر والسماحة، برقم (32) ، ص (47) . والبيهقي في: كتاب آداب القاضي، باب فضل المؤمن القوي الذي يقوم بأمر الناس ويصبر على أذاهم، (10/ 89) .

-كلهم من طريق شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عمر، أو عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول الأعمش: هو ابن عمر.

-وشعبة هو ابن الحجاج: ثقة حافظ متقن. انظر: التهذيب (4/ 338) ، التقريب (1/ 351) .

-والأعمش هو سليمان بن مهران: ثقة حافظ، لكنه مدلس من الطبقة الثانية من طبقات المدلسين، وهم الذين احتمل الأئمة تدليسهم، ومضى.

-ومع ذلك فهو قد صرح بالسماع من يحيى بن وثاب في رواية الطيالسي، ويحيى بن وثاب هو الأسدي مولاهم، الكوفي، المقري: ثقة عابد.

-انظر: التهذيب (11/ 294) ، التقريب (2/ 359) .

-فالإسناد صحيح، رجاله ثقات.

-ورواه ابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 23 - باب الصبر على البلاء، برقم (4032) ، (2/ 338) من طريق علي بن ميمون الرقي، حدثنا عبد الواحد بن صالح، حدثنا إسحق بن يوسف عن الأعمش ... به، فذكر نحوه.

-ورواه الإمام أحمد في المسند (5/ 365) .

-والطبراني في مكارم الأخلاق: باب فضل الصبر والسماحة، برقم (32) ، ص (47) . كلاهما من طريق سفيان بن سعيد الثوري عن الأعمش به.

-ورواه أبو نعيم في الحلية: ترجمة داود بن نصير الطائي، ورقمها (393) ، (7/ 365) من طريق داود الطائي عن الأعمش عن يحيى.

-ورواه ابن أبي شيبة، كما في المطالب العالية المسندة: كتاب الرقائق والزهد، باب فضل مخالطة الناس والصبر عليهم (ل 227) .

-وهناد بن السري في الزهد: 103 - باب مخالطة الناس، برقم ... (1246) ، (2/ 588) . والبيهقي في: كتاب آداب القاضي، باب فضل المؤمن القوي .. ، (10/ 89) .

-كلهم من طريق محمد بن عبيد عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب عن أبي صالح.

-وفي ابن أبي شيبة: عن يحيى بن وثاب عن أبى صالح.

-ورواه الطبراني في الأوسط، برقم (370) ، (1/ 239) وقال: لم يروه عن الأعمش عن حبيب إلا أبو بكر الداهري تفرد به زهير بن عباد.

-وأبو نعيم في الحلية: ترجمة حبيب بن أبي ثابت، ورقمها (289) ، (5/ 62) من طريق أبى بكر الزاهري، عن الأعمش، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن ابن عمر، وقال: غريب من حديث حبيب والأعمش تفرد به الزاهري.

-كذا في المطبوع، والصواب: أبو بكر الداهري، وهو عبد الله ابن حكيم الداهري البصري، قال أحمد: ليس بشيء، وكذا قال ابن المديني وغيره، وقال الجوزجاني: كذاب، وقال الذهبي: ليس بثقة ولا مأمون.

-انظر: الميزان (2/ 410) ، (4/ 499) ، كتاب المجروحين: (2/ 21 - 22) .

-ومثل هذا لا يعبأ بمخالفته للثقات، حيث جعل حبيب بن أبي ثابت، في موضع يحيى بن وثاب.

(2) رواه البخاري في: 72 - كتاب الذبائح والصبر، 31 - باب المسك، (6/ 231) .

وفي: 34 - كتاب البيوع، 38 - باب في العطار وبيع المسك، (3/ 16) .

-ومسلم في: 45 - كتاب البر والصلة والآداب، 45 - باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، برقم (146) ، (4/ 2026) .

-وأحمد في المسند (4/ 405) مختصرًا، وزاد في أوله: المؤمن للمؤمن كالبنيان .. وفي آخر: والخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به مؤتجرًا أحد المتصدقين.

-ويحيى بن معين في تاريخه، برقم (157) ، (3/ 38) .

-والرامهرمزي في أمثال الحديث، ص (119) .

-وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأمثال، ص (221) .

-وابن حبان، كما في الإحسان: ذكر الأمر بمجالسة الصالحين وأهل الدين دون أضدادهم من المسلمين، برقم (550) (1/ 469) .

-ذكر تمثيل المصطفى صلى الله عليه وسلم، الجليس الصالح بالعطار الذي من جالسه علق به ريحه، وإن لم ينل منه، برقم (568) ، ... (1/ 481) . والقضاعي في مسند الشهاب: 849 - مثل الجليس الصالح مثل الداري، برقم (1377 - 1380) ، (2/ 287) .

-وذكره الهيثمي في المجمع: كتاب الأدب، باب الجليس الصالح ... (8/ 61) ، وعزاه للطبراني وقال: وإسناده حسن.

ورواه أبو داود الطيالسي في: أحاديث أبي موسى الأشعري ... - رضي الله عنه - (*) .

-وغيره عن أبي موسى، برقم (515) ، ص (70) ، من رواية حماد عن ثابت عن أنس عن أبي موسى، موقوفًا عليه.

* وله شاهد من حديث أنس بمعناه:

-رواه أبو داود (5/ 166) .

-والرامهرمزي في الأمثال، ص (119) .

-والحاكم (4/ 280) ، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والقضاعي في مسند الشهاب (2/ 289) .

-والعسكري في الأمثال كما في المقاصد الحسنة، ص (592) وغيرهم.

* ومن قول ابن مسعود- رضي الله عنه- موقوفًا عليه:

رواه إسحاق بن راهويه كما في المطالب العالية (3/ 24) ، وقال ابن حجر: هذا إسناد صحيح، له شاهد في الصحيح من حديث أبي موسى.

ـــــــــــــ

(*) قال سماحة الوالد الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: لعله من طريق سعيد بن جبير.

(3) المتباذلون: هم الذين يبذل بعضهم لبعض المال والنفس، احتسابًا، كما فعل الصديق مع النبي صلى الله عليه وسلم وانظر: أوجز المسالك إلى موطأ مالك لمحمد زكريا الكاندهلوى (15/ 62) .

-وشرح الزرقاني على موطأ مالك (4/ 349) .

(4) رواه مالك في الموطأ 51 - كتاب الشعر، 5 - باب ما جاء في المتحابين في الله، برقم (16) ، (2/ 953) ، من طريق أبي حازم بن دينار عن أبي إدريس.

-ومن طريقه الإمام أحمد في المسند (5/ 233) .

-والطبراني في الكبير: ترجمة معاذ بن جبل الأنصاري .. ، أبو إدريس الخولاني عن معاذ، برقم (150) ، (20/ 80) .

-وابن حبان، كما في الموارد: 40 - كتاب الزهد، 24 - باب في المتحابين في الله برقم (2510) ، ص (621) .

-والحاكم في: كتاب البر والصلة (4/ 186) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وأبو حازم سلمة بن دينار: ثقة عابد. انظر: التهذيب (4/ 143) ، والتقريب (1/ 316) .

وأبو إدريس الخولاني هو: عائذ الله بن عبد الله، أحد الأعلام، كان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء، قال مكحول: ما رأيت أعلم من أبي إدريس، وقال النسائي وغيره: ثقة.

انظر: تذكرة الحفاظ (1/ 56) ، التهذيب (5/ 85) ، التقريب: ... (1/ 390) ، الكاشف (2/ 53) .

وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، صححه ابن عبد البر، كما في شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 350) .

وقد صححه أيضًا النووي في رياض الصالحين، والمنذري في الترغيب والترهيب.

رياض الصالحين، ص (185) ، الترغيب والترهيب (4/ 18) .

-وقد رواه الإمام أحمد في المسند (5/ 328) من طريق الأوزاعي عن رجل في مجلس يحيى بن أبي كثير عن أبي إدريس.

-ورواه الحاكم في: كتاب البر والصلة (4/ 169) ، عن الأوزاعي عن ابن حلبس عن أبي إدريس، وصححه على شرطهما وسكت عنه الذهبي.

-ورواه أحمد في المسند (5/ 227) ، وفي آخره تصديق عبادة لمعاذ.

-وأبو داود الطيالسى في: أحاديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - برقم (571) ، ص (78) .

-والحاكم في كتاب البر والصلة، (4/ 169) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

كلهم من طريق يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أبي إدريس.

-ورواه عبد الله بن المبارك في الزهد: باب النية مع قلة العمل وسلامة القلب، برقم (715) ، ص (249) ، بلفظ:"إن الذين يتحابون من جلال الله في ظل عرش الله، يوم لا ظل إلا ظله".

-والطبراني في الكبير: ترجمة معاذ بن جبل، أبو إدريس الخولاني عن معاذ، برقم (144) ، (20/ 78) .

كلاهما من طريق عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، حدثني عائذ الله ..

-ورواه الإمام أحمد (5/ 247) .

-والطبراني في الكبير: ترجمة معاذ بن جبل، أبو إدريس الخولاني عن معاذ .. ، برقم (152 - 153) ، (20/ 81) .

كلاهما من طريق أبي معشر عن محمد بن قيس عن أبي إدريس.

-ورواه الطبراني في الكبير في الموضع السابق، برقم (146) ، (20/ 79) .

-والحاكم في كتاب البر والصلة، (4/ 170) ، وَسكت عنه هو والذهبي.

-وعبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا: ذكر أبي إدريس الخولاني- رضي الله عنه- ص (68) .

كلهم من طريق عطاء الخراساني عن أبي إدريس.

-ورواه الطبراني من طرق أخرى عن أبي إدريس، في الموضع السابق (20/ 78 - 82) . وقد تكلم العلماء في سماع أبي إدريس الخولاني من معاذ.

فأثبته قوم منهم الوليد بن مسلم، وابن عبد البر، والطحاوي، وعبد الجبار الخولاني.

ونفاه قوم منهم أبو حاتم، وأبو زرعة، وكأن ابن حجر رجحه في التهذيب.

والأقرب- والله أعلم- ثبوت سماعه منه، لما في حديث الباب- وطرقه كثيرة - كما سبق- من لقاء أبي إدريس لمعاذ، ولما ورد من طرق عن أبي إدريس أنه صلى خلف معاذ بن جبل، ولا يعكر على ذلك أن سنه يوم مات معاذ نحو عشر سنين؛ لأن في سياق القصة ما يوحي بصغر سنه حيث جبذه معاذ بحبوته، ومثل هذا لائق بحال الصغير، وليس في القصة ما يستعظم ويستبعد من مثل أبي إدريس. إذ غاية الأمر أنه رأى معاذًا، فأعجبه، فقال له: إني أحبك، والله أعلم.

وانظر في هذه المسألة: تذكرة الحفاظ (1/ 56) ، جامع التحصيل ص (250) ، التهذيب (5/ 85) ، تاريخ داريا، ص (66 - 69) ، أوجز المسالك (5/ 63 - 65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت