الصفحة 52 من 583

الكتاب من اليهود والنصارى، الذين شرقوا بالدعوة، وناصبوها العداء، وكان العرب ينظرون إليهم نظرة إعجاب وإكبار، لما كان في أيديهم من الكتب، ولما كان لديهم من العلم.

وإذا كانت بيئة العرب الوثنية العريقة مستعدة أصلًا لمواجهة دعوة التوحيد ومحاربتها، فإنها قد وجدت في موقف أهل الكتاب الرافض للدعوة"مستندًا"شرعيًّا لهذه المقاومة.

فهاهم أهل التوراة والإنجيل، وورثة الكتب السماوية؛ ينكرون دعوة

محمد صلى الله عليه وسلم، ويردونها ويكذبونها، وهم أدرى منا بالدين وأعلم!، وهذا كان مصدر تثبيت ودعم لموقف المشركين.

(وَانْطَلَقَ الْمَلا مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ) [1] .

فمن عوامل الصبر على الآلهة في مواجهة الدعوة الجديدة؛ أنهم لم يسمعوا بما جاء به صلى الله عليه وسلم في الملة الآخرة: وهي النصرانية، قاله ابن عباس والسدي ومحمد بن كعب القرظي وقتادة ومجاهد [2] .

وهذا - فيما يظهر، والله أعلم بالصواب- مبني على شهادة من أهل

الكتاب للمشركين ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا فما كان للعرب من علم بالكتب السماوية، وما فيها من الحقائق والأخبار.

ويؤكد هذا ما حكاه الله في موضع آخر من شهادة اليهود للوثنيين؛ ضد الموحدين المؤمنين. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله وَمَنْ يَلْعَنِ الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) [3] .

وذلك أن اليهود حصروا أنفسهم في خندق واحد، مع مشركي العرب

(1) سورة ص: الآيتان 6، 7.

(2) انظر: تفسير الطبري: (23/ 126) ، والدر المنثور: (7/ 146) .

(3) سورة النساء: الآيتان 51،52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت