الصفحة 53 من 583

في الحرب الدائرة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وزكوا ديانة العرب الوثنية، وفضلوا أهلها على المؤمنين.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير منه، قال: فأنزلت: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [1] ، وأُنزلت: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) ... إلى قوله: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) " [2] .

ومعنى ذلك أن الله وصف الذين أُوتوا نصيبًا من الكتب -من اليهود-، بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق.

وهذه صفة كعب بن الأشرف الذي انطلق إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يغزوه، وقال: إنا معكم على قتاله [3] ...

وهكذا يقف المنحرفون من أتباع الديانات السماوية في صف الوثنية الصريحة، مناوئين للإيمان؛ حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، ولقد كانوا أولى الناس أن يتبعوا الكتاب، وينصروا الرسول، ويكفروا بشرك العرب، ولكن طبيعتهم الملتوية، وأطماعهم البعيدة، وأحقادهم المتمكنة؛ جعلتهم يدركون أن الحق ضدهم، وضد أهوائهم، وأنهم لا يمكن أن يعيشوا إلا في مستنقعات الشرك والوثنية، ومن ثم أدلوا بهذه الشهادة الخطيرة [4] !.

ويمكن أن نتصور - الآن- جزءًا من معنى الغربة التي لقيها إمام

(1) سورة الكوثر: آية 3.

(2) رواه الطبري في تفسيره: (5/ 133) تفسير سورة النساء.

وذكره ابن كثير في التفسير: (1/ 513) وعزاه إلى الإمام أحمد مسندًا، ولم أجده في المسند - مسند ابن عباس- بعد البحث.

وابن حبان- كما في الموارد:28 - كتاب التفسير، سورة النساء رقم الحديث (1731) ، ص (428) .

ونسبه السيوطي لأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم، الدر المنثور: (2/ 562) .

ومدار إسناد الطبري وأحمد وابن حبان على محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة عن ابن عباس.

ومحمد بن أبي عدي: هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي: ثقة. انظر: التهذيب: (9/ 12) ، التقريب: (2/ 141) .

وداود: هو ابن أبي هند: ثقة متقن، كان يَهِمُ بآخره. انظر: التهذيب (3/ 204) ، التقريب: (1/ 235) .

وعكرمة: هو ابن عبد الله، مولى ابن عباس: ثقة ثبت. انظر: التهذيب (7/ 263) ، التقريب: (2/ 30) . فالإسناد صحيح.

وقد ورد معناه عن جابر وأبي مالك.

وورد مرسلًا عن عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم.

انظر: تفصيل رواياتهم في: الطبري: (5/ 133 - 135) ، والدر المنثور: (2/ 562 - 564) .

(3) انظر: تفسير الطبري: (5/ 133) ، وفي ظلال القرآن لسيد قطب (2/ 680) .

(4) وهذا هو موقفهم من الدعوة الإسلامية في هذا الزمان، وفي كل زمان، حيث يلصقون بها ألوان التهم والإشاعات، ويتحالفون حتى مع الشياطين في حربها والقضاء عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت