الصفحة 54 من 583

الموحدين صلى الله عليه وسلم والقلة المؤمنة معه، حيث رمتهم الدنيا كلها عن قوس واحدة، وتألبت على عدواتهم الطوائف كافة. منذ بدء الدعوة - كما توحي به الآية الكريمة في سورة (ص) -، وإلى أن تمكنت هذه الغرسة الربانية في نفوس الأنصار في المدينة، حيث قامت دولة الإسلام الأولى.

وكان ترقي الدعوة في مدارج الكمال، وتحقيقها للانتصارات المتتالية؛ من أسباب احتدام العداوة اليهودية - بل والكتابية- لها، وشعورها بضرورة القيام بعمل عسكري وإعلامي مشترك، وهو ما حاولت اليهودية تحقيقه في غزوة الأحزاب حين ألبت قوى الكفر والشرك على المدينة المنورة حتى صار الحال كما وصف الله: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) [1] .

وعلى رغم تمكن الإسلام، ورسوخه، وامتداد جذوره في أرض الهجرة وغيرها؛ إلا أن المخاطر لا زالت قائمة، والأعداء المتربصون حول المدينة كثير.

ولذلك جاء في الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"احصوا لي كم يلفظ الإسلام؟، قال: فقلنا: يارسول الله، أتخاف علينا ونحن ما بين الست مئة إلى السبع مئة؟! قال:"إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا. قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًّا" [2] ."

وقد ذهب عدد من العلماء والشرّاح إلى أن هذا كان عند أُحد، أو يوم الخندق، حيث حوصر المسلمون إلى الحد الذي قال معه بعض المنافقين: قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم، وقد حُصرنا هاهنا حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته! ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا [3] .

وكان أمر الأحزاب من كيد اليهود وتدبيرهم ومشاركتهم، حيث ألّبوا قريشًا

(1) سورة الأحزاب: الآيتان 10،11.

(2) أخرجه البخاري: في 56 - كتاب الجهاد والسير، 181 - باب كتابة الإمام الناس: (4/ 34) وفيه: ونحن ألف وخمس مئة، وفي رواية: ما بين ست مئة إلى سبع مئة.

ومسلم في: 1 - كتاب الإيمان، 67 - باب الاستسرار بالإيمان للخائف، رقم (235) (1/ 131 - 132) ، وهذا لفظه.

وابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 23 - باب الصبر على البلاء رقم (4029) ، (2/ 1336) .

وأبو عوانة في مسنده، بيان أن الساعة لا تقوم ما دام في الأرض من يوحد الله .. (1/ 102) وزاد في إحدى روايتيه:"فكتبناهم فوجدناهم خمس مئة ..".

وأحمد في مسنده: (5/ 384) .

وانظر للجمع بين روايات الحديث، وتحديد متى كان ذلك الابتلاء: فتح الباري: (6/ 178) ، شرح النووي على مسلم: (2/ 179) ، فتح الملهم شرح صحيح مسلم لشبير أحمد العثماني: (1/ 182) .

(3) تفسير الطبري: (21/ 133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت