الصفحة 55 من 583

وغطفان، ونقضوا عهودهم التي أبرموها مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

وبذلك يتضح دور اليهود - وأهل الكتاب عامة - في فرض طوق الغربة على الإسلام حينًا من الدهر، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.

رابعًا: سيطرة الأعراف، والعوائد القبليّة:

ولقد كانت البيئة العربية بيئة قبلية، تسيطر عليها الأعراف، والعوائد القبلية، ويحكمها في كثير من تصرفاتها ومواقفها؛ الصراع القبلي، والتنافس على الرياسة والشرف والسؤدد.

وحين اختار الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم للرسالة كان صلى الله عليه وسلم في الذروة من قومه، حيث التقى فيه ما تفرق في بيتي (عبد مناف) -من جهة أبيه-، و (زُهرة) -من جهة أمه- من شرف، ومكانة، وكرم خليقة.

فهو في الذؤابة من قريش ثم من بني هاشم - وهم علية العرب - من حيث النسب، كما كان صلى الله عليه وسلم معروفًا بينهم بسمو الخلق، وكرم السجايا، وجميل الخصال، بعيدًا عن أن يُزَنّ [1] بأدنى خلة مُردية من الخلال التي كانوا يتفاخرون بها في جاهليتهم، متنزِّهًا عن كل ما يشين؛ إذ كان الله تعالى يحوطه من أول أمره، ويحفظه عن كل ريب، أو منقصة.

ولكنه لم يترأس عليهم بعدُ رئاسة قبلية؛ لعوامل كثيرة تتعلق بالبيئة والسن من جهة، ولحكم وأسرار إلهية من حياطة هذه الدعوة أن يتلبس بها مطمع من المطامع الدنيوية، التي تجرّ إليها غير المخلصين، أو تبعد عنها المترفعين المتعففين؛ ولذلك كان من اعتراضات المشركين أن يتساءلوا عن السر في اختيار محمد صلى الله عليه وسلم لهذه الدعوة.

ولأنهم محجوبون عن إدراك فضائله الخلقية، وخصائصه الشخصية، فإنهم لا يرون له عليهم فضلًا، ولا مزية؛ بل يرون أن فلانًا وفلانًا من كبار

(1) يُزَنّ: يتهم. انظر المعجم الوسيط مادة (ز ن ن) (1/ 418) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت